الصفحة 18 من 23

مقدار عظمة الله سبحانه وتعالى من جهة توفيق العباد وعدم توفيقهم, وأن الناس ينتكسون عن الحق كثيرًا, وهذا يكون موضع زلزلة لقلوب كثير من الناس في الأزمات والتحديات وغير ذلك, وربما يكون غلبة الباطل على الحق مشككًا عند بعض الناس في أن هذا أمارة على قوة الحق وصدق أهله, وليس كذلك, وإنما من يفتن في ذلك هم أصحاب اليقين الضعيف أو الإيمان الضعيف، ولا يتزحزح في هذا أصحاب الإيمان القوي, ولهذا الله سبحانه وتعالى بين ذلك في كتابه العظيم في قوله جل وعلا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:5] ، رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85] , يقول عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر: لا تسلطهم علينا بذنوبنا فنكون فتنة لهم, أي يقولون: ما غلبناهم إلا أننا على الحق وهم على الباطل, وغلبة الماديات ليست عبرة, والاختبار والامتحان في المعنويات ربما يكون أشد على الإنسان من الماديات, فالمعنويات شديدة, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أعظم شدة وابتلاء نزل عليه هو الابتلاء المعنوي وليس الابتلاء المادي؛ لأن الابتلاء المعنوي شديد, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لقي من ذلك كثيرًا, وكثير من الناس يظن أن الابتلاء إذا فقد الإنسان ماله أو فقد ثروة أو ولدًا أو غير ذلك, لكن إذا لحق الإنسان شيء من المعنويات وسلبه الله عز وجل شيئًا من ذلك كان ذلك أشد عليه وأنكى, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بلاؤه أشد من بلاء الأنبياء, وهو سيد الرسل, ومنهم أولو العزم عليهم الصلاة والسلام, مع أن من الأنبياء من قتله قومه, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أشد بلاء؛ لأن البلاء الذي لحق النبي صلى الله عليه وسلم بلاء معنوي ودام, والإنسان ربما يقتل ويكون بلاؤه في ذلك شديدًا، ولكنه يستريح فيما بعد ذلك, ولهذا عائشة عليها رضوان الله تعالى -كما جاء في الصحيح- سألت رسول الله صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت