والحكمة من تنوع سبل الشيطان وطرقه، وكون الحق واحدًا؛ وأن الأصل في الحق أنه واحد لا يتعدد على اختلاف اجتهاد المجتهدين فيه، وهذا موضع معلوم، أما بالنسبة لتعدد طرق الشيطان وسبله؛ فإن الشيطان يعلم أن نزوات الناس تختلف وتتباين، فمن الناس من يميل إلى شهوة البصر، ومن الناس من يميل إلى شهوة السمع، ومن الناس من لا يجذبه نوع من أنواع المنكرات والفسوق والفجور، ويميل إلى نوع آخر، فهو بحاجة إلى تنوع السبل حتى تتوافق مع أهواء الناس فيسلكون هذه الطرق، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] .الناس حينما ينفضون من المساجد ونحو ذلك يتفرقون، كل يسلك طريقًا من هذه الطرق لينحرف ذاك شمالًا وذاك جنوبًا ونحو ذلك، يقال: إنهم تفرقوا، وكأن الذي تفرقوا عنه هو من المواضع المنفردة، كانفراد الإنسان مثلًا من نقطة واحدة ونحو ذلك، فالله جل وعلا حينما ذكر سبيله وهو الصراط المستقيم، قال: (( وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) )، أي: ينتشر الناس عن هذا الطريق مختلفين، هذا يضرب جهة اليمين, وذاك يضرب جهة الشمال, وذاك يضرب جهة الأمام، وذلك يضرب جهة الخلف، بحسب أهوائهم.