وبه يعلم أن الله جل وعلا حينما امتن على عباده وعلى خلقه بهذا الصراط وجعله واحدًا، أراد بذلك تأليف القلوب على الحبل المتين، والحرص على الجماعة وإن قلت، فإن الجماعة وإن قلت أعظم عند الله جل وعلا وأشد تمسكًا وهيبةً في أعين أعدائها وإن كثر الأعداء؛ لأن الأصل في الأعداء أنهم مختلفون، فالذي يجمعهم الشهوة والشهوة متنوعة، والذي يجمعهم المال والمال وقتي، والذي يجمعهم حظ من حظوظ الدنيا من الجاه وغير ذلك فهو من الأمور الوقتية، لهذا الله سبحانه وتعالى أمر عباده بأن يؤمنوا ويستمسكوا بحبله المتين، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] .
حينما أمر الله جل وعلا بالاعتصام بحبله المتين، وحبل الله جل وعلا المتين هو القرآن الكريم كما جاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين كالحسن البصري و مجاهد بن جبر وغيرهم، ففي قوله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103] ، الأصل في الخطاب أنه إذا وجه إلى جماعة، أنه يجب عليهم أن يجتمعوا على هذا، فأكد الله جل وعلا هذا الأمر مع ظهور الدلالة فيه على الجماعة، أكده بلفظ الجماعة في قوله: جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ، يعني: أنه ينبغي لكم أن تكونوا مجتمعين لا متفرقين، وأكد هذا الجمع بالنهي عن ضده في قوله سبحانه وتعالى: (( وَلا تَفَرَّقُوا ) )، ومعلوم أن الإنسان إذا أمر بشيء من الأوامر وأكد ذلك بالنهي عن ضده، ففي هذا دلالة على أهمية المعمول به، وهو الاعتصام بحبل الله جل وعلا جميعًا.