ثمة مسألة اخرى يجب التأشير عليها قبل المضي في الموضوع .. أن المنهج نفسه ليس طبقة أو دائرة واحدة وإنما هو طبقات ودوائر تنداح من بؤرتها المركزية الحرفية الصرفة باتجاه التأثر بالمعطيات الحضارية ذات الخصوصية، وتمضي لكي تكون في مداها الأكثر اتساعا مرادفا للشريعة التي تتولى مهمة تنفيذ مطالب العقيدة على أرضية العالم.
اذا بدأنا من هاهنا فأننا سنجد القرآن الكريم يعتمد اللفظة للدلالة على هذا المعنى.
ابن كثير ـ مثلا ـ وهو يتناول الآية الثامنة والاربعين من سورة المائدة يفسر قوله تعالى (ولكم جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) بالسبيل والسنة (أي الطريقة) ، وأن الشرعة هي الشريعة .. اما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق، وفي (صفوة التفاسير) اننا جعلنا لكل امة شريعة وطريقا بينا واضحا خاصا بتلك الامة. واختلاف المناهج هذا ينصب على الاحكام أما المعتقد فهو واحد لجميع الناس: توحيد وإيمان بالرسل وجميع الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء (2) ، أي لكافة المنتمين للديانات السماوية في جوهرها الاصيل.
ما الذي يقوله المعجم العربي بصدد المفردة؟
النهج هو الطريق الواضح البين والجمع نهجات .. وطرق نهجة أي واضحة كالمنهج والمنهاج ..
وأنهج أي أوضح، قال يزيد العبدي
سبل المكارم والهدى تعدى ... ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت
أي تعين وتقوى ..
ونهج الطريق أي سلكه، واستنهج الطريق صار نهجا واضحا بينا ..
وأنهج الطريق اذا وضح واستبان ..
وفلان استنهج طريق فلان اذا سلك مسلكه ..
وطريق ناهجة أي واضحة بينة) 3) ..
فالمفردة ـ إذن ـ لا تتجاوز هنا حدود اللغوية باتجاه المصطلح الاكثر حداثة والذي يدل على حرفية البحث العلمي حينا، كما يدل في مداه الواسع على رؤية جماعة ما، وبرنامج عملها، أو شريعتها التي تتولى مهمة تحويل مفردات الرؤية الى واقع معاش.