وبصدد المراحل المبكرة للتعليم، فيما يسمى بتعليم الولدان، يمنحنا ابن خلدون مادة مقارنة يستمدها من طرائق التعليم الاسلامية واختلافها ويكاد يكون تعلم القرآن الكريم القاسم المشترك، والاساس في هذه الطرائق جميعا عبر مراحل التعليم المبكرة. فالقرآن الكريم كتاب هذه الامة، وهاديها ودليلها، وهو دستور عقيدتها، ومنهاج حركتها في العالم .. وتعليمه لاجيال الناشئة ضرورة محتومة اذا ما اريد لهذه الاجيال ان تكون مسلمة حقا (46) .
لكن الذي يختلف فيه بين مصر ومصر ومدرسة وأخرى، هو منهج التعليم وهاهنا يقدم ابن خلدون عرضا مقارنا لهذا المنهج في تعليم كتاب الله في كل من المغرب والانلس، والمشرق، والنتائج التي ترتبت عليه في كل من هذه الاقاليم. (47) .
وابن خلدون وهو يتحدث عن محتوى التعليم يشير الى صنفين من العلوم عقلي ونقلي دون أن يغفل عن أن هذا الاخير يتحتم ان يتم التعامل معه عقليا بالقياس والتفريع والاجتهاد. كما ان الرجل لا يفوته كذلك ان يؤكد هاهنا رؤيته الاسلامية وخصوصيته العقيدية اسوة بما كان يفعل في جل مساحات مقدمته الخصبة، بصيغ مباشرة حينا وغير مباشرة حيانا اخرى، فكأنه يرد بذلك على الذين جاءوا في قرون تالية لكي يخرجوه عن الرحم الذي تخلق فيه، ويضعوه على غير إرادة منه في دائرة (الوضعية) هجينا غريبا (48) .
وضع ابن خلدون (مقدمته) في الاساس، وكما يؤكد في تمهيده لها اكثر من مرة (49) لكي تكون اداة أو معيارا في التعامل مع الواقعة التاريخية. فهناك، في نسيج هذه الواقعة، ما يمكن قبوله والتسليم به، وما يستعصي على القبول والتسليم .. ما يمكن ان يصدق وما يخرج الى دائرة الكذب والتلفيق.