الصفحة 25 من 32

واذا كان المؤرخون قبله، في معظمهم، قد اكتفوا بأن يكونوا جماعين للرواية، أو المادة التاريخية، دونما اخذها بما يتطلبه من منهج يمحص ويعزل .. يقبل ويرفض .. يثبت وينفي .. كي لا يمر الا ما هو متحقق في حركة التاريخ، أو مقارب للحقيقة في أقل تقدير، فأنه رأى أن قد آن الاوان لاعتماد منهج مرسوم لكي يصير النشاط التاريخي علما منضبطا لا عواطف وتحزبات واهواء وميولا.

ولقد قيل الكثير في هذه المسألة، ولذا سنجد انفسنا مضطربين لتجاوزها صوب بعض التأشيرات التي تؤكد (اسلامية) هذا التوجه (العلمي) في التعامل مع التاريخ، واستمداده الكثير من الخصائص والمواصفات من البيئة التي انتمى اليها الرجل لا من أية بيئة أخرى. وهكذا ستكون النتائج التي توصل اليها الرجل من خلال منهجه هذا وتساوقه في نسيجها العام، وفي معظم مفرداتها، مع المنظور والمعطيات الاسلامية.

ابتداء وعى سبيل المثال، يطرح ابن خلدون هذه المقولة الاستقرائية ذات التأثير البالغ في صميم الحركة التاريخية للجماعات والشعوب انه ما من دولة (كبيرة) الا وأصلها الدين «اما من نبوة أو دعوة حق» والدول الكبيرة التي يسميها البعض بالامبراطوريات ويسميها ابن خلدون (الدول العامة الاستيلاء، العظيم الملك) هي الدول الاكثر ثقلا وتأثيرا في حركة التاريخ، ليس فقط في مجرياته السياسية، بل في نموه الحضاري، وهذا هو الاهم.

كيف يفسر ابن خلدون ذلك (أن الملك ـ يقول الرجل ـ انما يحصل بالتغلب، والتغلب انما يكون بالعصبية واتفاق الاهواء على المطالب وجمع القلوب وتأليفها انما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت