الصفحة 26 من 32

قال تعالى (لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم) (50) . وسره ان القلوب اذا تداعت الى اهواء الباطل والميل الى الدنيا حصل التنافس ونشأ الخلاف، واذا انصرفت الى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة (51) .

إنه يتحدث هنا عما يمكن تسميته بالمعامل العقائدي، وذلك الذي يشد طاقات الجماعة البشرية الواحدة التي تنتمي الى عقيدة ما، ويوجهها صوب هدف واحد .. بؤرة واحدة، فتزداد قدرتها على الفعل التاريخي، تماما كما تزداد قدرة أشعة الشمس على الاحراق من خلال تجميعها بالعدسات اللامة. فالدولة الكبيرة ـ إذن ـ هي تعبير تاريخي عن قدرة امة ما على الفعل الموحد الذي صاغته ووجهته صوب هدفه الواحد، عقيدة حيوية آمن بها الجميع.

وبعكس هذا، فان غياب الدين يعني تبعثر الفعل وتشتته صوب اهداف متغايرة متضاربة، ومن ثم تضاؤل دوره التاريخي. فليست الجماعة التي لا تربطها عقيدة بقادرة على ان تمتد في الزمان والمكان، واذا حث وان امتدت فعلا، فان هذا يجيء استثناء للقاعدة، ولا يحكم عليه، ومصيره ان يتلاشى لاول تحد يبرز له في الطريق، ولن يؤخذ يوما بالاستثناء.

في الانتماء الديني ثمة حقيقة اخرى يشير اليها ابن خلدون تزيد فاعلية هذا الانتماء .. انه رفض الانقياد للباطل والاقبال على اله. وتلك هي حجر الزاوية في قدرة الانسان الفرد والجماعة البشرية على التجرد الكامل في مواجهة التاريخ بأقصى قدر من التوتر والفاعلية والتناغم، وباقل قدر من الجذب والشد والاعاقة .. ان القرآن الكريم يصف المؤمنين مرارا بأنهم (يسارعون في الخيرات) 52 فيكشف هاهنا البعد الزمني، البعد التاريخي، في حركة الانسان المؤمن في العالم لتحقيق اكبر قدر ممكن من الانجاز في أقل حيز ممكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت