الصفحة 27 من 32

وابن خلدون يختم مقولته تلك بهذه العبارة ذات الدلالة « .. اتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة» ، فالكلمة كما هو معروف، لا تتحول الى فعل تاريخي الا بالايمان الذي يحيلها الى طاقة حركية تعبر عن نفسها من خلال الجماعة المؤمنة وتكون نتيجة هذا التعبير: دولة عظيمة. وكذلك كانت دولة الاسلام الاولى في أعقاب الفتحات التي اختزلت الزمن والمكان، وكذلك كانت الدول الكبرى في التاريخ.

واذا كان ابن خلدون قد أكد مرارا على مفهوم العصبية، باعتباره أساسا لقيام الدول، فانه لم يغفل عن ان الدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، كما يقول في احدى فصول الباب الثالث من مقدمته .. لماذا؟ وكيف؟ لأن السبب في ذلك «ان الصيغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في اهل العصبية وتفرد الوجهة الى الحق. فاذا حصل لهم الاستبصار في امرهم لم يقف لهم شيء لان الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه. وأهل الدولة التي هم طالبوها، وان كانوا اضعافهم فاغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقنية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وان كانوا اكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل كما قدمناه.

وهذا كما وقع للعرب في صدر الفتوحات الاسلامية .. واعتبر ذلك في دولتي المرابطين والموحدين، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير من يقاومهم في العدد والعصبية او يشف عليهم، الا ان الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة، كما قلناه، فلم يقف له شيء». ويواصل ابن خلدون تحليله قائلا «واعتبر ذلك اذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقض الامر، ويصير الغالب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين، فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها او الزائدة القوة عليها الذي غلبتهم، بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا اكثر عصبية منها وأشد بداوة .. » (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت