الصفحة 29 من 32

وفي الحديث الصحيح «ما بعث الله نبيا الا في منعة من قومه» واذا كان هذا في الانبياء وهم اولى الناس من برق العوائد، فما ظنك بغيرهم؟ الا تخرق له العادة في الغلب بغير العصبية؟».

انه يشير الى قدرة الانبياء عليهم السلام على تجاوز التحديات التاريخية فوق العادة، كما حدث لكثير من منهم، لكنهم مع ذلك يعملون في التاريخ في صياغة أبعاد جديدة مستمدة من معطيات الزمان والمكان، فلابد لهم اذن من الافادة من اسبابه الذاتية للانقلاب عليه. وحديث الرسول (صلى اله عليه وسلم) هنا يبدو متساوقا مع معطيات الحركة الاسلامية كلها، تلك التي جاءت لكي تنقلب على التاريخ من خلال التاريخ نفسه، على ضوء برنامج الهي فوقي هو بمثابة دليل عمل أو (استبصار) ، اذا اعتمدنا تعابير ابن خلدون، في هذا الانقلاب. ومن أجل مزيد من القانعة يقودنا الرجل الى عديد من الشواهد التاريخية (54) .

ولا ينسى ابن خلدون ان يطرح تحفظه الذكي وهو يتحدث عن دعوات الانبياء عليهم السلام .. انهم مؤيدون من الله سبحانه بالكون كله لو شاء، لكنه انما اجرى الامور على مستقر العادة (55) . ان الله سبحانه قادر، حيث لا يعجزه شيء في الارض ولا في السماء، على حمل رسله بكلمته التي لا راد لها الى >فاق الانتصار النهائي، لكن حكمته سبحانه، وعلمه المسبق بمصائر لدعوات، في الوقت نفسه، شاءت ان يتحرك رسله في قلب العالم، في صميم التاريخ، ان يعانوا من اثقاله وعوائقه، وان يتجشموا واتباعهم عناء اوهاقه، والا يبلغوا النصر النهائي الا باتخاذ الاسباب التي تمكنهم من هذا الصراع القاسي الذي لا يرحم احدا ولا ينحني لاحد. وذلك هو ما يعنيه ابن خلدون «بمجرى الامور على مستقر العادة» أي سنن التاريخ ونواميس الكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت