إننا نقرأ ـ على سبيل المثال ـ واحدة من المحاولات الاكثر حداثة في هذا السياق (في علمية الفكر الخلدوني) (7) ونجد الناشر يلخص المحاولة بالاستنتاج التالي:
أن «ثورة ابن خلدون الفكرية تكمن، في انه حرر الفكر التاريخي من هيمنة الفكر الديني، بان اكتشف في واقعات التاريخ عقلها المادي فأحل ضرورة العمران محل الله ـ او ما يشبهه ـ في تفسير الظاهرات جميعا، فاستبدل التأويل بالتفسير، فكان التفسير بالضرورة ماديا، وكان علميا من حيث هو مادي، دون ان يعني هذا رفضا للدين او الشرع ومبادئه، فالشرع شيء والتاريخ او العمران ـ شيء آخر، وليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولئن دخل الشرع، أو الدين: في حقل العمران او التاريخ كما هو واقع الامر في المقدمة فكأمر عمراني او تاريخي مادي لا كأمر غيبي أو الهي. وينظر فيه حينئذ بعين العمران وقوانينه، لا بعين الدين ومبادئه، او بعين الشرع واحكامه فلمسائل الشرع منطقها ولمسائل العمران والتاريخ منطقها، ولا يصح، الخلط بين المنطقين» ) 8).
والمسألة في أساسها ليست لعبة لجر الحبل بين الاسلاميين والطرف الآخر نصرانيا كان أم علمانيا أم ماديا، لكنها محاولة للاضاءة يتبين من خلالها الموقع الذي وقف عليه ابن خلدون، والدائرة التي تحرك في إطارها.
وفي حالة كهذه فأن تفنيد حجج الاخرين سيتضمن ابتداء - موافقة على الدخول في اللعبة. ومن أجل الا نمسك بالحبل من طرفه الاخر لكي نجر الينا ابن خلدون بطريقة متعسفة، فان علينا ان نتابع بعض الملامح المنهجية والموضوعية في معطياته لكي نعرف الارضية التي ينشط عليها، دونما حاجة لاقناع الاخرين او ارغامهم ـ بقوة الشد ـ على إعادة الفكر الخلدوني الينا.