يتحدث في مقدمة له بعنوان (الانسان جاهل بالذات عالم بالكسب) عن الفكر بما انه الخصيصة التي تميز الانسان عن سائر الحيوانات وتمكنه من اداء دوره العمراني في العالم كخليفة عن الله سبحانه فيه. وهو هنا يشير الى ثلاثة انماط من النشاط العقلي الذي يمارسه الانسان ويطرح في هذا المجال ـ كما فعل في مجالات اخرى من الباب السادس ـ جوانب عديدة من تصوره لنظرية المعرفة، ولا يكاد وهو يتوغل في الموضوع أن يفارق طريقته التي اعتادها: الاحساس الدائم بالحضور الالهي المستمر في التاريخ، والاستشهاد بآيات من كتاب الله وهما امران لهما دلالتهما على عمق المعنى والرؤية الدينية لدى ابن خلدون (قد بينا أن الانسان من جنس الحيوانات وأن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له، يوقع به افعاله على انتظام وهو العقل التمييزي، أو يقتنص به العلم بالاراء، والمصالح والمفاسد من ابناء جنسه وهو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا وشاهدا على ما هي عليه وهو العقل النظري. وهذا الفكر انما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه. ويبدأ من التمييز، فهو قبل التمييز من النطفة والعلقة والمضغة، وما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل له الله في مدارك الحس والافئدة التي هي الفكر. قال تعالى في الامتنان علينا(وجعل لكم السمع والابصار والافئدة) ، فهو في الحالة الاولى قبل التمييز فقط لجهله بجميع المعارف، ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسبه بآلاته فتكمل ذاته الانسانية في وجودها.