شبهاتٌ مردودة في لَمَزَاتٍ معدودة
د. يونس الأسطل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا من نَبَاتِ هذه الأرض التي بارك فيها للعالمين، وأشهد ألاّ إلهَ إلا اللهُ المتفضلُ علينا بأنْ جعلنا فيها في رباطٍ إلى يوم القيامة، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه المبشِّرُ ببقاء الطائفِة المنصورِة فينا، على الحقَّ ظاهرين، ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم مَنْ خالفهم، ولا مَنْ خّذَلَهم حتى يأتَي أمرُ الله، إنهم بِبَيْتِ المقدسِ وأكنافِ بيت المقدس.
أما بعد:
فقد وعد اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرض كما استخلف الذين مِنْ قبلهِم، وليمكَننَّ لهم دينهَم الذي ارتضى لهم، ولَيُبَدِّلَنَّهم من بعد خوفهم أمنًا، وبَيَّنَ أن الذين وعدهم بذلك هم الذين إنْ مكَّنهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتَوُا الزكاة، وأمروا بالمعروفِ، ونَهَوْا عن المنكر، وللهِ عاقبةُ الأمور.
وقد مَنَّ اللهُ علينا في قطاع غزة، فاستطعنا قَهْرَ الاحتلال، وأخرجناهم من ديارنا أذلةً وهم صاغرون، وقد عجزوا عن استعادة السيطرة عليه بالفلتان والفوضى حينًا، وبالعدوان والتدمير حينًا آخر، حتى إذا أيقنوا أنْ لا قِبَلَ لهم بالمقاومة كان المكرُ السيَّءُ الذي لا يحيقُ إلا بأهِله، فقد أرادوا بالحوار الذي دار في ستِّ جولات متلاحقة ان يَبْتَزُّونا تحت ضغط الحصار، والحاجة إلى الإعمار، لعنا نكون سواءً في الإقرار بشرعية الاحتلال، وبحقِّه في الأمن بالتخلي عن المقاومة، بل بالتسليم بيهودية الدولة، وهو لا ينطوي على إلغاء حق اللاجئين والمدن الفلسطينية من ديارهم التي اغتصبوها عام 1948م.
إن الصمودَ الأسطوريَّ في مواجهةِ كلِّ تلك المؤامرات، جعل أعداءَنا يتجهون إلى تهديد حصونِنا من داخلها، فقد لمسنا زيادةً في حَجْمِ تهريبِ المخدراتِ والُمَفتِّرات؛ كالترامال، وبعض المُهَيِّجات الجنسية، فضلًا عن الأفلام والصور المثيرة للغرائز في الإعلام، ومقاهي الإنترنت، والمجلات وغيرها.
ولعل أخطر ما يهددنا اليوم هو الغزو الفكري باسم الإسلام، فقد قام بعض الأفراد بالتقاطِ بعض الشبهات، والنفخ فيها، وغَرْسِها في عقول بعض الناشئة، مِمَّن لم يُؤْتَوْا نصيبًا من الكتاب، أو حَظًَّا من العلم، فباتوا مقتنعين أن الحكومةَ الشرعيةَ القائمةَ في القطاع، وأن الحركةَ التي تُؤْوِيها، لا يحملون هَمَّ الإسلام، ولا يرغبون في تطبيقِ الشريعة، وهم بذلك الكفرِ أقربُ منهم للإيمان، بل إن بعضَهم قد غالي بالفعل، فحكم بِرِدَّةِ الحركةِ، وكُفْرِ الحكومة، ورأى أن العمل على إزعاجهاَ، بل والإطاحةَ بها، واستهدافَ رموزِها أولى من الاشتغال بمقاومة العلمانيةِ والإلحادِ الذي تنشرُه بعضُ الفصائل في الشعب الفلسطيني، ولا نكونُ مبالغين إنُ قلنا، إنهم يرون ذلك أهمَّ من مقاومةِ الاحتلال نفسه.
ولمَّا كان الفكرُ لا يُدْفَعُ إلا بالفكر؛ كان لزامًا علينا أن نتناولَ جملةَ القضايا التي يَنْقِمُها أولئك العشراتُ على الحكومة، وتجليةَ الحقيقةِ فيها، وتِبْيانَ الأصولِ الشرعيةِ التي ننطلق منها، معذرةً إلى ربِّكم، ولعلهم يتقون؛ فإننا نعتقد أن أكثرَهم يحملون نوايا صادقةً، ورغبةً جامحةً في العيش في ظلال حكمٍ إسلاميٍّ رشيد، غيرَ أن البضاعةَ المُزْجاةَ لديهم، إنْ في فَهْمِ الشريعة، أو في الإلمامِ بالواقعِ، أو في الإطلاع على خُطط الحكومة ومنجزاتها، هو الذي أَرْدَاهم في تلك القناعات، وأورثهم ذلك السلوك الذي يَجُرَّ عليهم كثيرًا من العَتَب والمتاعب.
وقبل أن نَشْرَعَ في تَفْنيدِ تلك الشبهاتِ نَوَدُّ أن نُقَرِّرَ أن العمل السياسي في هذا الواقع يشبه المشي على الحبال، أو اجتياز حقول الألغام، وأن باب الاجتهاد فيه رَحْبٌ جدًا، في التغيير والإصلاح من ناحية، واحتضانُ الجيلِ الجديد، لِيَنْشَأَ مُحَصَّنًا من الانحرافِ الفكريّ والسلوكيّ، متسلحًا بالقرآنِ والإيمان، متزينًا بالعلمِ والتقوى، من ناحيةٍ أخرى.
والآنَ دعونا نعالجْ تلك الشبهاتِ واحدةً واحدة، واللهُ المستعان ومنه التوفيق، وإليه الفضلُ والمنة.
أولًا: الديمقراطية:
يَشْمَئِزُّ أولئك النَّفَرُ من مجرد سماع هذا المصطلح؛ ذلك أنها تعني في جوهرِها الفكريِّ حكمَ الشعبِ بالشعب، وهذا يعني إشراكَ الشعب مع اللهِ في الحاكمية، أو اتخاذَه إلهًا من دونِه، وهذا صحيحٌ، فللِه الخَلْقُ والأمر، وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُهُ أمرًا أن يكونَ لهم الخِيَرَةُ من أَمْرِهم ومَنْ أحسنُ من اللهِ حُكْمًا لقومٍ يوقنون، وهو الذي أَنزل إليكمُ الكتابَ مُفَصَّلا؛ تِبيانًا لكلِّ شيءٍ، وهدىً، ورحمةً، وبشرى للمسلمين.
لكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحن الذين جلبنا الديمقراطية إلى ديارنا، أم أننا تَفَتَّحّتْ عُيونُنا على الاحتلالِ الغربيِّ والعربيِّ الذي فرض على المنطقة دساتيرَ مستوردةً، وقوانينَ وضعيةً، وقد قمنا نَكْسِرُ هذا القيد عن أيدينا، وتلك الأغلالَ عن أعناقنا، باقتحام مواقع صناعة القرار في الوزارة والتشريعي؛ للاقتراب من الأسلمةِ التامِة يومًا بعد يوم؟!.
ثم هل نحنُ مُخَيَّرونَ اليومَ بين الإسلامِ والديمقراطية، أمْ بينها وبين الدكتاتورية والاستبداد، وحكم الفرد الذي يَتَسَتَّرُ أحيانًا بعباءِة الديمقراطية؟، والأهم من ذلك هل نحن نَتَبَنَّى الديمقراطية بَعُجَرِها وبُجَرِها، وكلِّ ما هَبَّ ودَبَّ فيها، أم أننا لا نأخذ منها إلا الانتخاباتِ وصناديقَ الاقتراع؟، وهل كان هناك سبيلٌُ آخرُ لِوَقْفِ التدهور السياسيِّ، والنزيفِ الأخلاقيّ وغيرِه، إلا بالمزاحمة السياسية؟ وهل كِان للحصار بأشكاِلهِ المختلفةِ أن يُفْرَضَ علينا، لولا يَقِينُهم بأن فَوْزَنا بالانتخابات قد هَدَّدَ مشاريعَ التصفيةِ، والديمقراطيةِ الزائفة، أم أن المخالفين يريدون التغيير عبر شلالِ الدماءِ والأشلاء التي تُورِثُ من العداوةِ والبغضاء داخلَ البيتِ الواحد، والحيِّ الواحد، تمحوهُ عشرات السنين؟، وأني للأيتام، والأرامل، والثكالى، والمكلومين أن يَنْسَوْا دماءهم وأعزَّاءهم؟!! وهل نحن دعاةٌ أم قضاة؟!!.
ثانيا: دخول البرلمان
لقد أنكر أولئك الحُدثاءُ على الحركة أن تقتحمَ البرلمان؛ اغترارًا باسمه (المجلس التشريعي) ؛ بحجةِ أن التشريعَ لله وحدَه، وأن غايةَ ما في القانونِ الأساسيِّ أن الشريعةَ الإسلاميةَ مصدرٌ من مصادر التشريع، وهذا من الشركِ الأكبر.
إن البرلمان له وظيفتان أساسيتان، هما الرقابةُ، وسنُّ القوانين ولا يماري أحدٌ في ضرورة الرقابةِ على السلطتينِ التنفيذيةِ والقضائيةِ من خلال الأسئلةِ، والاستجوابِ، والزياراتِ الميدانية وتقديمِ النصائحِ الملزمةِ، وغير ذلك.
أما القوانينُ، فأكثُرها قائمٌ ويحتاجُ إلى استكمالٍ وترميم، وهناك ميادينُ أخرى في حاجةٍ إلى تنظيمها بقوانينَ مُسْتَحْدَثةٍ، وقد حرصنا أن ندفعَ إلى المجلسِ التشَريعيِّ مزيدًا من العلماءِ المختصينَ في الشريعةِ والفقهِ الإسلاميّ، ثم حرصنا على السيطرة على اللجنة القانونيةِ، فهي أمُّ اللجانِ الأخرى، وهي الوحيدةُ التي كان رئيسُها ومُقَرِّرُها ومعظمُ أفرادِها من كتلةِ حماس في المجلس، فضلًا عن وجودِ فقهائِنا والمفتينَ منا فيها.
وقد تَمَّ في السنواتِ الثلاثِ المنصرمةِ إعادةُ النظرِ في أربعةٍ وأربعينَ قانونًا، وغربلةُ ما فيها مِمَّا يخالفُ الإسلامَ، أو يناقضُ مصلحةُ الشعبِ الفلسطينيّ، كما تَمَّ إنجازُ سبعةَ عشرَ قانونًا، قد حافظ أكثرَ على الثوابت؛ كحقِّ العودة، وتحريمِ التنازلِ عن القدسِ وفلسطين، وحَقَّنا قي مقاومةِ الاحتلال وتجريمِ كلِّ مَنْ يَمَسُّ المقاومةَ، أو يعتبرُها عُنفًا وإرهابًا.
وقد كان من أهمِّ القوانينِ التي صدرتْ مؤخرًا قانونُ الزكاة، وإنشاءُ هيئةٍ خاصةٍ بها، حتى تتولى أَخْذَها من أغنيائِنا، وَرَدَّها على فقرائِنا، فضلًا عن قانونِ الإجراءاتِ الجزائيةِ والعقوباتِ التي اعتمدتْ إثباتَ الجرائمِ بكلِّ وسائلِ الإثباتِ في الشريعةِ الإسلامية مع التوسعِ في التجريم؛ ليشَملَ الحديثةَ؛ كالهواتفِ المحمولةِ، والحواسيبِ، وغيرِها، وهناك عشراتُ القوانينِ على جدولِ أعمالِ المجلسِ تَنْتَظِرُ دَوْرَها في الترميمِ والأسلمة.
ثالثا: التهدئة وتوقيف الجهاد
وافقتْ كتائبُ القسام، وبعضُ الفصائل الأخرى، على فتراتٍ محدودةٍ للتهدئة مع العدوِّ في مقابلِ استحقاقاتٍ تَفْرِضُها المقاومة، غيرَ أن العدوَّ الصهيونيَّ كان يَنْفَلِتُ منها، ونحن نعرفُ أنهم يَنْقُضُون عَهْدَهم في كلِّ مرةٍ وهم لا يتقون، وعندئذٍ يكونُ قد أعطانا مُسَوِّغًا لاستئنافِ المقاومة.
والسؤالُ هنا: أليستِ المقاومةُ في حاجةٍ بين الحينِ والآخر إلى الْتقاطِ الأنفاس، أو ما يُسَمَّى باستراحةِ المحارب، تُعِيدُ فيها ترتيبَ ضفوفِها، وتستفيدُ من جولاتِ المجابهة، وترممُ ما فقدتْ من العدةِ والعتاد؟!.
ألم يُبْرِمِ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم صُلْحَ الحديبيةِ مع قريش، وقد طلبتْ وَضْعَ الحربِ أوزارَها عشرَ سنين، وقد رآه كثيرٌ من الصحابةِ نوعًا من إعطاءِ الدَّنيةِ في الدين، غيرَ أن اللهَ عز وجل قد وَصَفَهُ بالفتحِ المبين؟!.
ألم يثبتْ للقاصي والداني أن فتراتِ التهدئةِ لم تكنْ راحةً واسترخاءً ولا رُكونًا إلى نوايا العدوِّ الغادر؟، ألم تكنْ عمليةُ الوهمِ المبدَّدِ، وأَسْرُ الجنديِّ جلعاد شاليط ثمرةً للتهدئة؟!، ألم يَرَ العالمُ صمودَ كتائبِ القسامِ في وجهِ الهجمةِ الصيهونيةِ الجنونيةِ علينا بأحدثِ أنواعِ الأسلحة، وبكثافةٍ خيالية، في أكثرَ من ثلاثةِ أسابيعَ؛ حتى اضْطُرَّ اليهودُ أن يُوقفوا العدوانَ من طرفٍ واحدٍ، وأن تكونَ الضربةُ الأخيرةُ لنا؟!، أَلاَ يكشفُ هذا عن أن فترةَ التهدئةِ واجبةٌ للإعداد، واليومَ هناك تهدئةٌ غيرُ معلنةٍ لم يَجْرُؤْ فيها الصهاينةُ على الاغتيالاتِ المركَّزةِ في الجوِّ، كما كانوا يفعلون في المراتِ السابقةِ للتهدئة، اعتقادًا منهم أن المقاومةَ تملكُ اليومُ من وسائلِ الرَّدْعِ ما يجعلُ الصواريخَ قادرةً على تهديدِ ما وراءَ المجدِل ومدينةِ إسدود، وربما تُهَدِّدُ قلبَ تَلِّ أبيب.
رابعًا: الإستعانة بأموال إيران وبعض الدول الأخرى:
هل العيبُ في تلقي الأموال، أم في الخضوع لاشتراطات المانحين، فالمالُ المسيَّسُ هو الذي أوصلَ السلطةَ الفلسطينية وحركة فتح إلى القبول بالتنسيق الأمنيّ وتدميرِ البِنيةِ التحتيةِ للحركةِ الإسلامية، فضلًا عن مطاردةِ المقاومة، وغيرِ ذلك من الجرائم.
أما نحن فلم نرهنْ قرارَنا لأحدٍ، كائنًا مَنْ كان، فإننا نَصْدُرُ في مواقفِنا عن الشورى المُلْزِمة، ورَأْيُ الأغلبية عند تَعَدُّدِ الرُّؤى، ولا يملك أيُّ مسؤولٍ أن يَتَفَرَّدَ بالقرارِ، حتى لا يكونَ خاضعًا للابتزازِ بتاتًا.
ثم هل قامتِ الدولُ العربيةُ بواجبِها في دعمِ صمودِنا، فَرَفَضْنا ذلك، واتجهنا إلى إيران؟، أليستْ إحدى الدولِ الإسلامية؟، أليستْ أفضلَ في مواقِفها السياسيةِ، ودعمِ المقاومة، من كثيرٍ من الدول العربية التي تزعمُ أنها سُنِّيَّةٌ، وهي تحتضنُ قواعدَ عسكريةٍ أمريكيةٍ، وَيسْرَحُ فيها الصليبيونَ ويَمْرَحُون دون حَسيبٍ أو رقيب؟!
ألم يِستعنْ رسولُنا عليه الصلاةُ والسلامُ بأدرعٍ سابغاتٍ لصفوانَ بنِ أمية في بعضِ مغازيه، وصفوانُ على كفرِه، فكيف لو كان مؤمنًا؟!!
خامسًا: تغيير المنكر باليد
إن من شروطِ تغييرِ المنكرِ ألاَّ يُؤَدِّيَ إلى منكرٍ أكبرَ أو مساوٍ له، وإن قيامَ الأفرادِ بِأَخْذِ القانونِ بأيديهم يُؤّدِّي حتمًا إلى الهَرْجِ والَمرْج، ويُهَدِّدُ الأمنَ، ويُحْيِي الفلتان.
لذلك فإن التغييرَ بالقوةِ من شَرْطِهِ الولايةُ عامةً كانتْ أو خاصةً، فالعامةُ هي ولايةُ الحكومةِ والأجهزةِ الأمنيةِ، والخاصةُ هي ولايةُ الأب على بَنيهِ وزوجِهِ ومَنْ يَعُول، وولايةُ المدراءِ وأربابِ الشركاتِ والمدرسين، ومَنْ على شاكِلتهم.
فإذا قام الأفرادُ يُغَيِّرونَ بأيديهم فإنهم بذلك يتطاولون على الحكومة، خاصةً وأنها قائمةٌ بالتغيير، ولكنْ بالتدريج، وبحسبِ سُلَّمِ الأولويات، دونَ أن يؤديَ ذلك إلى إراقةِ الدماءِ ما أمكن.
ولا شكَّ ان اللهَ يَزَعُ بالسلطان مالا يَزَعُ بالقرآن، لكنَّ ذلك مرهونٌ بأنْ يكونَ السلطانُ مُمَكَّنًا في الأرض، وإنَّ سلطانَنا في سجنِ قطاعِ غزةَ مَجْزُوءٌ؛ إذْ لا سيادةَ لنا على المياهِ ولا المعابرن فضلًا عن الأجواء، ولا شكَّ أن شريحةً من الناس مُسْتَلَبةُ الإرادةِ لصالحِ لقمةِ العيشِ الوافدةِ من رام الله، وهم خاضعون لبعضِ الاشتراطاتِ التي تجعلُهم مَعَاولَ هَدْمٍ في المجتمع، وإن الالْتفاتَ إليهم يعني الانشغالَ بهم عن العدوِّ المتربصِ بنا الدوائر، وأعان اللهُ مَنْ وَقَعَ بين المطرقةِ والسِّنْدان.
سادسًا: مسألة العملاء والمفسدين في الأرض
يرى أولئك النفرُ أن الحكومةَ مقصرةٌ في ملاحقةِ شبكاتِ التجسس والسفلةِ في المجتمع، وفي ذلك درجةٌ من التجني على الجهدِ الكبير في ملاحقِتهم، وتفكيكِ شبكاتِهم، ولكنَّ المشكلةَ في أن مشروعَ أوسلو هو مقاولةٌ أمنيةٌ كبيرة، لا يتوقفُ فيها جُهْدُ سلطةِ الحكمِ الذاتيِّ المحدود على ملاحقةِ أنفاسِ الشعبِ الفلسطينيّ؛ بل إن سفاراتِها في الخارج تجارُ شنطةٍ في التجسسِ على الشعوبِ العربيةِ والإسلامية لصالحِ أمريكا والاحتلال، ومَنْ يدفعُ أكثرَ، والعياذُ بالله تعالى.
لذلك فإن جُهْدَ الحكومةِ مُنْصَرِفٌ إلى أكابرِ مجرميها، وأئمةِ الخيانة، حتى تحُولَ دون وصولِ أسرارِنا إلى العدوِّ، ولو قامتْ بمطاردةِ الجميعِ لاحتاجتْ إلى بناءِ بضعةِ سجونٍ جديدةٍ، وهناك عقباتٌ كبيرةٌ في ذلك، ليسَ أقلَّها عدمُ توفرِ الميزانياتِ الكافية، فضلًا عن نُدرةِ موادِّ البناء.
سابعا: مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية
يستفزُّ هؤلاءِ النفرَ أن يَرَوْا عُرْسًا ماجنًا، أو عددًا من المتبرجات، في الوقتِ الذي لا يرون فيه رؤوسًا تتطايرُ، وأيديَ تُبْتَرُن وظهورًا تُجْلَدُ، فيتباكون على الشريعةِ المعطلةِ في نظرِهم، وهذا موضوعٌ كبيرٌ، غيرَ أننا نُوجزُ القولَ فيه، بأن الشريعةَ ليست منحصرةً في الحدود؛ بل إنها الدينُ كلُّه، وإن السياسةَ الشرعيةَ قائمةٌ على إقامةِ الدين، وسياسةِ الدنيا به، وها هو رئيسُ الوزراء وعددٌ من النواب والوزراء يَؤُمُّونَ الناس في الجمعة والجماعة، ويَتَوَلَّوْنَ الوعظَ والإفتاءَ، ويحرصون على ترشيدِ الدعوةِ من خلالِ الأوقافِ والإعلامِ، والتربية التنظيمية، وقد استطعنا بفضلِ اللهِ أن نُؤَمِّنَ الناسَ من الخوفِ، بل أن نُطِعمَهم من الجوع، إذا نظرنا على أن السلطةَ إنما تدفعُ الرواتبَ من القروضِ الربوية، ومن المنحِ المسيَّسة، بينما لم تقترضْ هذه الحكومةُ دولارًا واحدًا ربويًا، ولم تَتَلَقَّ أيَّ دعمٍ من أموالِ الدولِ المانحة، ورفضتْ جميعُ البنوكِ أن تتعاونَ معها، ومع ذلك فهي تدفعُ الرواتبَ في ميقاتِها، وتوفرُ الميزانيةَ التشغيليةَ، وتدعمُ العمالَ والفقراءَ بِقَدْرِ المستطاع، كما تقومُ بتنفيذِ البرامجِ التي تُغْنِينا عن الارتباطِ بالاحتلالِ شيئًا فشيئًا، فهل علمتم أنها قد غرست أكثرَ من ألفٍ وأربعمائةِ دونمٍ بالفواكهِ والحمضياتِ التي تُغْنِينا عن الاستيرادِ من العدوِّ، كما حصل في موسمِ البطيخِ والشمام هذا العام، بالإضافةِ إلى إنشاءِ المؤسساتِ الاقتصادية؛ كالبنك الوطنيِّ الإسلاميّ، وشركةِ المُلْتَزِم للتأمين، وغيرِها من جهودِ الإقراضِ الحسنِ للمشاريعش الصغيرةِ، وغيرِ ذلك.
إن المشكلةَ في أن أولئك النفرَ لا يعلمون أن شرطَ إقامةِ الحدودِ توفيرُ الحاجاتِ للناس، بحيثُ يصبحُ الحلالُ ميسورًا، وأن الإسلامَ يَتَشوَّفُ للسترِ لا لإقامةِ الحدود، وان نظامَه قائمٌ على الوقايةِ قبل العلاج، وأن الحدودَ تُدْرَأُ بالشبهاتِ، ولها مسقطاتٌ كثيرةٌ، والتفصيلُ يطول.
ثامنًا: الوقوف على الحياد في بعض قضايا الشعوب الإسلامية:
يَنْقِمُ هؤلاءِ الشبابُ على الحكومةِ أنها لا تَجْأَرُ بالدفاعِ عن الإخوةِ في الشيشان، بل وتتواصلُ سياسيًا مع حكومةِ روسيا الوالغةِ في دماءِ إخوتِنا الشيشانينَ منذُ عشراتِ السنين.
إن روسيا هي الدولةُ الأقوى ماديًا في مجابهةِ القُطبِ الأمريكيِّ الذي يدعمُ العدوَّ الصهيونيَّ بكلِّ ما يحتاجُهُ، وقد اجتهدنا في أن إِغْفَاءَ الطَّرْفِ عمَّا تفعلُهُ بإخوانِنا مع التواصلِ معها لكسرِ الحصار، أو الإمدادِ ببعضِ الخبراتِ أو المُعِدَّاتِ إلى أن نتمكنَ من الخروجِ من عنقِ الزجاجة، وهذا الموقفُ لا غضاضةَ فيه؛ فإن النبيَّ صلىِ الله عليه وسلم كان يَمُرُّ بأصحابهِ يُعّذَّبُونَ، فلا يملكُ إلا أن يقول: (صبرًا آلَ ياسر؛ فإن موعدَكَم الجنة) ، بل إنه عَقَدَ صُلْحَ الحديبيةِ وعددٌ من أصحابهِ في سجونِ قريش، ولم يستطعْ أن يشفعَ في أبي جندلٍ، وهو الذل أفلتَ من سجنِهِ، وجاء يَرْسُفُ في الحديد، لكنَّ سهيلَ بنَ عمروٍ اشترط أن يكونَ أولَ من تُطَبَّقُ عليه الاتفاقيةُ، ويُرْجَعَ إلى قريش، أو تُلْغى الاتفاقيةُ بالكلية.
وبعد:
فإن تتبعَ الجزئياتِ، والإسهابَ في الردودِ عليها يطولُ، غيرَ أن المصيبةَ في أن أولئك الشبابَ لا يقيمون الوزنَ بالقسطِ، إنما ينظرون إلى الجزءِ الفارغِ من الكأس، فلم يَضَعُوا إنجازاتِ الحكومةِ في كِفَّةٍ، وملاحظاتِهم - على فَرَضِ التسليمِ بها - في الكِفِّةِ الأخرى، فإذا ثَقُلَتْ موازينُها، وكان نفعُها أكبرَ من إثمِها فما عليهم إلا أن يدعموها، ويقفوا من ورائِها، وأن يكونوا ناصحين واعظين فيما يَرَوْنَهُ قصورًا أو مخالفة، ثم عن هناك مشكلةً أخرى في أزمةِ الموازنةِ، وسُلَّمِ الأولويات، فهل الصحيح أن يَصُبُّوا جامَّ غضبِهم على الحكومةِ والحركة، أم أن المنطقَ يقتضي الاصطفافَ في مواجهةِ الخطرِ اليهوديِّ على المنطقةِ كلِّها، لا على الشعبِ الفلسطينيِّ وحدَه، ولو سَلَّمنا جَدَلاَ بأن الحربَ الأخيرةَ، أو عدوانًا قادمًا - لا سَمَحَ اللهُ - قد استطاع أن يكسرَ شوكتَنا، فتزولَ الحكومةُ، وتضعفَ كتائبُ القسام، فماذا عساهم يفعلون ببقيةِ الفصائلِ، أو حتى بهؤلاءِ الذينَ يلُوكُونَ عِرْضَ الحكومة، ويَرَوْنها العدوِّ الأولَ غفلةً وجهلًا؟!، ومَنْ يدري فلعل العدوَّ قد استطاع أن يخترقَ الصفوفَ، وأن يُوَجِّهَ تلك الطاقاتِ بما يخدمُ مصالحَهُ من حيثُ لا يعلمُ أكثرُ المنخرطين في تلك المؤامرة.
إن عبدّ الله بنَ سبأٍ اليهوديَّ حين تظاهر بالإسلامِ تَمَكَّنَ من التأليب على سياسةِ ذي النورينِ عثمانَ بنِ عفانَ رضي اللهُ عنه، وأن يَحْمِلَ الغوغاءَ على إراقةِ دمِه، وقد ظَلَّتِ الفتنةُ من بعدِهِ حتى الْتهمتُ قريبًا من تسعينَ ألفَ شهيد، إلى أن جاء الحسنُ بنُ عليٍ رضي الله عنه، وتنازل عن الخلافةِ لمعاويةَ رضي اللهُ عنه، وأصلح اللهُ به بين المؤمنين، وجمع به الشملَ بعد أكثرَ من خمسِ سنينَ من المواجهات الطاحنة، فهل نحنُ على موعدٍ مع اجترارِ هذه التجربة؟!، نَعُوذُ باللهِ من ذلك، ونسأله سبحانه أن يَقِيَنا شرَّ الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يُؤَلَّفَ بين قلوبنا، ويُوَحِّدَ صفوفَنا، حتى نظلَّ شوكةً قتادًا في حُلُوق أعدائنا أَجمعين.
وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ، وعلى ألِهِ وصحبِهِ وسَلَّم.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
إعداد
د. يونس الأسطل