الصفحة 68 من 93

جريمة رفح لا يمكن تبريرها

جمال سلطان (المصريون) 20/ 8/2009

القاعدة الشرعية النبيلة التي أسسها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تقول: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال: ترده عن ظلمه فذلك نصر له.

أرجو أن نستحضر جميعا هذه القاعدة ونحن ننظر إلى الجريمة التي ارتكبتها حماس في رفح هذا الأسبوع، إن أردنا أن ننصر هذه الحركة التي طالما نصرناها وأيدناها عندما كان سلاحها في صدر العدو، فإن الأمانة تقتضي أن نردها عن الظلم الفادح الذي تورطت فيه، لا أن نبحث لها عن مبرر ونتلمس لها الأعذار ونتسقط المواقف ونتحدث عن ولي الأمر الشرعي والخروج والفئة الباغية والفئة الضالة، فكل هذا لا يناسب المقام الذي نحن فيه.

نحن لسنا أمام دولة وإنما شعب محاصر وأرض شبه محتلة فيها تنظيمات وفصائل وأحزاب تقاتل من أجل تحرير الوطن، ولو أن كل حركة أو تنظيم شجر بينه وبين غيره مشكلة أو تحرش فتحاكم إلى السلاح لتحول القطاع إلى حمامات دم بلا نهاية، ولكنه الدم الفلسطيني الحرام (1) ، وهذا ما كان يحدث في المخيمات في لبنان والأردن وغيرها.

إنه من السهولة بمكان على أي حركة أو تنظيم أو حتى حكومة أن تبرر إراقة الدماء والوحشية في التعامل مع الخصوم، ولقد عانى الإخوان المسلمون أنفسهم من هذه التبريرات عندما قام الجيش السورى بسحق الحركة في حماة وجسر الشغور وغيرها من حواضر سوريا، وأبيد أكثر من عشرين ألف قتيل في أيام قليلة ونزح مئات الآلاف من سوريا، ونصب رفعت الأسد مدفعية الدبابات والصواريخ على أبواب المدن ومحا أحياء بكاملها من الوجود على من فيها من النساء والأطفال.

وكان المبرر آنذاك أنهم خوارج وأنهم فئة ضالة وأنهم تمردوا بالسلاح على الحكومة الشرعية وأنهم يتآمرون مع الأعداء ويتلقون الأموال من الخارج إلى آخر القائمة المعروفة، وهي نفس القائمة التي تستخدمها حماس الآن لتبرير الوحشية التي اتسمت بها جريمتها في رفح.

حماس فعلت بالضبط ما يفعله الطغاة أمثال برويز مشرف عندما دمر المسجد الأحمر بالمدفعية والصواريخ وقتل العشرات بداخله بدعوى أنهم فئة ضالة وتحمل السلاح على الحكومة الشرعية، وحماس دمرت مسجد ابن تيمية بالرشاشات والقاذفات وقتلت العشرات فيه مرددة نفس الشعارات.

وعندما تخوض حماس معركة بهذه الوحشية ضد تنظيم إسلامي سلفي يختلف فكريا مع الحركة والداعمين الأساسيين لها في إيران وسوريا، فإن التفسيرات التي تستحضر البعد المذهبي يمكن أن يكون لها مبرر مشروع في هذه الحالة، وبعض تصريحات قادة حماس عقب المذبحة التي تحدثت عن"أحقاد سلفية"على حركة حماس تخدم ـ من حيث لا يشعرون ـ هذه الفرضيات.

ما فعلته حماس في رفح منحت محمود عباس وقواته مشروعية أخلاقية وسياسية لم يكن يحلم بها في سحق أي وجود مسلح لحماس في الضفة الغربية وتصفية عناصرها ومطاردتهم في المنازل والمساجد والطرقات، والتبرير هو التبرير.

لن يجهده البحث عن مبررات، فقط سيستخدم نفس الخطاب الذي استخدمته حماس في استباحتها للدم الفلسطيني في رفح وانتهاك حرمة مسجد ابن تيمية.

نصيحتي للإخوة في حماس أن لا يجرفهم غرور القوة وعجرفة السلاح ولا ينصتوا لصوت العصبية الحزبية والتنظيمية، وأن ينصتوا لصوت العقل ويبادروا بتشكيل لجنة تحقيق وطنية فيما حدث، وأن يبذلوا من الجهد السياسي والأهلي الكثير من أجل معالجة آثار الجريمة، وتطييب قلوب أهالي الضحايا وأسرهم وأنصارهم ومحبيهم.

وبدون ذلك فإن حماس ستكون متهمة بتفجير الداخل الفلسطيني، وأن مشروعها السياسي ليس تحرير الوطن بقدر ما هو التأسيس لإمارة قمعية استبدادية ديكتاتورية تعيد استنساخ التجارب العربية ذاتها التي كانت الحركة الإسلامية تحديدا ضحية لها في العقود الماضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت