المسلمون فيما ليس فيه نص [1] .. أما الديمقرطية فهي تجعل الحاكمية ابتداءً في يد البشر، ولا توافق على اعتبارها حق الله وحده بلا شريك! وما أبعد الشُّقة بين ديمقراطيتهم وشورى الإسلام: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] .
ولو لم يكن في دخولنا لعبة الديمقراطية من خسارة، إلا تمييع قضية لا إله إلا الله وقضية الشرعية، لكان هذا كافيًا لتجنب الخوض في اللعبة، أيا تكن الفوائد الجزئية التي يمكن أن تتحقق من دخولنا البرلمانات، والتي نخسرها حين نمتنع من الدخول فيها .. وقد حرّم الله الخمر والميسر مع أن فيهما - بصريح القرآن - منافع للناس؛ وإنما حرمهما كما صرحت الآية الكريمة، لأن إثمهما أكبر من نفعهما: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [البقرة: 219] .
وهذه قاعدة فقهية نهتدي بها فيما ليس فيه نص، وقضية البرلمانات والدخول فيها ليس فيها نص، ولكن التدبر الواعي للقضية يصل بنا إلى أن تمييع قضية لا إله إلا الله ومقتضياتها، وتمييع قضية الشرعية، يؤثر تأثيرًا عكسيًا على الدعوة؛ لأنه يشتت وعي الجماهير بهاتين القضيتين الرئيسيتين من قضايا الدعوة، وهما: أن تحكيم شريعة الله إلزام رباني لا يُستفتى فيه الناس، وليس منشأ الإلزام فيه أن يرضى عنه أكثرية الناس، أو لا يرضوا، إنما منشأ الإلزام فيه هو كوننا مسلمين، بل هو مجرد زعمنا أننا مسلمون
(1) حدود الاجتهاد معروفة في الفقه الإسلامي وهي ألا تحرم حلالا ولا تحل حراما ولا تصادم مقاصد الشريعة، ومجالها واسع جدا يشمل كل ما يجدّ في حياة الأمة من أمور، ولكنه منضبط بضوابط الشريعة.