الصفحة 116 من 264

الجاهلية العربية، ولكن الذي يُنعم النظر يتبين أنها لم تكن وحدها المعبودة من دون الله، فانظر إلى الشاعر [1] الذي يقول:

وهل أنا إلا من غزية إنْ غَوَتْ ... غويتُ وإن تَرشْد غزية أرشد

فما عبادة الاتّباع إن لم تكن هذه؟ يعرف أن قبيلته غاوية ثم يتبعها - على علم بغوايتها - لأنها في حسِّه ربٌّ معبود، لا تجوز مخالفته في الرشد ولا في الغيّ!

وكان عُرف الآباء والأجداد رَبًا معبودًا من دون الله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170] .

عُرف الآباء والأجداد، الذي يجعل أبا طالب يُحْجم عن الإسلام - على كل حُبِّه لابن أخيه صلى الله عليه وسلم، وكل حدبه ورعايته، وكل حمايته له من كفار قريش - لكي لا يُقال عنه إنه خالف عُرف الآباء والأجداد! فأي عبودية أشد من هذه العبودية؟

أما إنسان الجاهلية المعاصرة، فيعبد أربابًا أكثر عددًا وأشد خفاء من أرباب الجاهلية العربية .. (فالمصلحة القومية) بديل من القبيلة العربية القديمة، أكبر وأخطر، وأشد استيلاء على نفوس أتباعها .. (والرأي العام العالمي) بديل من عُرف الآباء والأجداد، أكبر وأخطر، وأعنف تأثيرًا على"المستضعفين"خاصة في كل الأرض، بينما هو صناعة مصنوعة على يد الشياطين الذين يحكمون الأرض، من وراء ستار أو بلا ستار .. (والتقدم) إله ..

(1) هو دريد بن الصمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت