فهرس الكتاب
السامقة، فأصبحت الأخوة في الله أقوى في نفوس القوم من رابطة الدم، وأصبح الحب والبغض لا علاقة له بالمصالح الأرضية، بل هو معها في موضع التقابل الكامل، والكفة الراجحة هي لما كان لله وفي الله، وأصبح الولاء والبراء مرتبطًا بالقيم الإيمانية وحدها، خالصًا لله.
وكان من مقتضيات لا إله إلا الله في ذلك الحين، وفي كل حين، مجموعة من الفضائل الخلقية العالية، كان بعضها موجودًا في البيئة العربية ولكن الجاهلية كانت قد أفسدته فحَرَفَتْه عن مساره السوي .. كالشجاعة التي كانت الجاهلية قد حولتها حمية جاهلية، كما جاء في سورة الفتح [1] .. والكرم الذي كانت الجاهلية قد حرفته عن مساره السوي، فأصبح إنفاقًا للمال رئاء الناس، كما جاء في سورة البقرة [2] ، فلزم تصحيح مسارها، وردها إلى أصلها السوي في الفطرة، لكي تكون لله، وفي الله. وبعضها لم يكن موجودًا في الجاهلية العربية، ولا يمكن أن يوجد في أي جاهلية، كمنع التظالم بين الناس، وإقامة الحياة على القسط والعدل، لا على قانون الغاب، واحترام الإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن جنسه ولونه ولغته ووطنه ووضعه الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، وهو أمر لا يمكن أن يتم إلا حين تتجرد النفس لله [3] .
(1) (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) [الفتح: 26]
(2) (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 264]
(3) تزعم الديمقراطية أنها هي أول من قرر هذه المبادئ وطبقها بالفعل، وأعطى"الآخر"حق الوجود وحق التعبير عن نفسه! والجواب على ذلك هو ما وقع في البوسنة والهرسك، وفي بلاد الشيشان، وما يقع في الفلبين، وما يقع في كشمير، وما يقع في فلسطين، وما يقع في كل مكان يكون فيه مسلمون تحت حكم اليهود والنصارى، مقابلًا بما كان من القسط والعدل والتسامح من المسلمين لمن وقع تحت حكمهم من اليهود والنصارى!