فهرس الكتاب
أما الحب والبغض في الجاهلية العربية وفي كل جاهلية فمداره المصالح، وهي في الأغلب المصالح المادية القريبة، ومداره من جهة أخرى"الأنا": أنا، وكرامتي، ومالي، وسلطاني، وقومي، وأتباعي إن كنتُ من"الملأ"، أو سادتي إن كنتُ من المستضعفين!
وأما الولاء والبراء فهو صنو الحب والبغض، لا ضابط له إلا تلك المصالح التي تكون اليوم هنا وتكون غدًا هناك .. فهو لذلك دائم التقلب لا يثبت على حال، وصداقات اليوم قد تنقلب غدًا عداوة، وعداوات اليوم قد تنقلب غدًا صداقة، لا لتغير في المبادئ، ولا في القيم، ولكن لتغير المصالح المؤقتة التي لا تثبت على حال .. والجاهليات كلها في هذا الشأن سواء!
ولم يكن مجرد الإيمان - بمعنى التصديق - بلا إله إلا الله، والنطق بها، ليؤدي تلقائيًا إلى تغيير جذري في تلك الأمور كلها، التي يساندها عرف الجاهلية، وأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية .. وإن كان الإيمان بلا إله إلا الله يهيئ النفس دون شك للتغيير وتقبل التغيير .. أما المعايير الجديدة، والقيم الجديدة، والأوضاع الجديدة التي يُراد بناؤها فلا تتأتى تلقائيًا، ولا تتم في لحظة، ولو كانت لحظة الإيمان، وإنما تُبنى لبنة لبنة حتى يستقيم بها البناء الجديد ..
وذلك تقوم به التربية.
وذلك ما قام به المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم، في دأب، وحدب، ورعاية، ومتابعة، حتى وصل به إلى تلك القمم