الصفحة 156 من 264

العذاب واقع من فرعون: يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ولكن الابتلاء واقع من الله! هل يرد هذا الخاطر على الذهن بداهة حين يرى العذاب أو يسمع عنه؟ أم يتجه الذهن إلى الفاعل المباشر الذي يقع الفعل منه؟ ويحتاج الإنسان إلى تعليم وتلقين لكي يعلم أن الفاعل قائم بالعمل، نعم، ولكن وراء ذلك قدر الله؟ وحين يعلم ذلك، ويستقر في خلده حتى يصبح يقينًا، فلمَن يتجه ليرفع عنه البلاء؟ هذا هو الدرس من وراء التوجيه .. ولا يتنافى ذلك في حس المؤمن مع اتخاذ الأسباب، ولكن دون اتكال على الأسباب، ودون اعتقاد بأن الأسباب تعمل من ذات نفسها؛ إنما هي تعمل بقدر من الله، وفي الحدود التي قدرها الله، ويظل التطلع دائمًا إلى المدبر الحقيقي وراء الأحداث والأشخاص، الله الذي بيده ملكوت كل شيء.

وكان من مقتضيات لا إله إلا الله في ذلك الحين - وفي كل حين - الأخوة في الله، والحب والبغض في الله، والولاء والبراء في الله .. وكانت تلك كلها بالنسبة للبيئة العربية، ولكل بيئة جاهلية في القديم والحديث، أمورًا مخالفة ومغايرة لعُرف الببيئة .. ففي الجاهلية العربية كان رباط الدم هو الرباط الثابت الدائم الوثيق، وكل رباط غيره إما ضعيف منقطع وإما غير موجود أصلًا .. وفي الجاهليات الحديثة أصبح البديل من رابطة الدم القريبة المحصورة رابطة القومية والوطنية التي تفاخر بها تلك الجاهليات وتتعصب لها على نفس الصورة التي كانت تفاخر بها الجاهلية الجاهلية العربية وتتعصب بها لرابطة الدم المتمثلة في القبيلة .. اختلاف في مدى السعة لا في الجوهر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت