الصفحة 155 من 264

والتوجيه؟ وهل يكفي لترسيخ ذلك الإيمان كلمة أو كلمات أو درس عابر أو دروس؟ إنها ليست نظرية تدرّس وتحفظ، ويُسأل فيها الإنسان فيجيب بلسانه، إنها معاناة واقعية، تصطدم في كل لحظة برغبة من رغبات النفس، أو شهوة من شهواتها، أو هاجس من هواجسها، أو تجربة مريرة يمر الإنسان بها، ثم يتعلم من خلال المعاناة، ويحفظ الدرس، لا بعقله فقط ولا بوجدانه فقط، بل بأعصابه وجسده وروحه وكيانه كله.

ضربت هذا المثل في كتاب سابق [1] : إذا سألت أي إنسان في الطريق، مَن الذي يرزقك؟ يجيب بداهة: الله هو الرزاق، ولكن حين يضيّق عليه في الرزق، أو قل على وجه التحديد: حين يؤذى في رزقه فماذا يقول؟ يقول في أغلب الأحوال: فلان قطع رزقي، أو فلان يريد أن يقطع رزقي! فما دلالة ذلك؟ دلالته أن ما كان يبدو بديهية لم يكن كذلك في الحقيقة! أو قل: إنه إن كان بديهية ذهنية لم تتعمق في الوجدان، لم تصبح بعد بديهية قلبية ينبني عليها سلوك! أو تنبني عليها المشاعر الصحيحة التي ينبني عليها بعد ذلك سلوك صحيح!

لفت نظري أمر وأنا أقرأ خطاب الله لبني إسرائيل في سورة البقرة: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيم ٌ) [البقرة: 49] .

(1) كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت