فهرس الكتاب
ولم يكن ذلك بالأمر الهين ..
إن التاريخ يركز عادة على المعارك التي تدور بين الجيوش.
وحقيقة إن معارك الجيوش هي التي تحسم في النهاية نتيجة الصراع، ولكن النظر إلى الأمر على أنه صراع حربي فحسب، تقرره الجيوش في ميدان القتال، يخفي جانبًا مهمًا من حقيقة الصراع، ويحصره في حيز ضيق، ويلغي أمرًا على جانب كبير من الأهمية، أو يصغر من شأنه، وهو أمر العقائد والقيم التي يدور من أجلها الصراع.
إن الصراع - بلغة العصر - هو صراع حضاري في حقيقته، صراع بين الحضارة السليمة والحضارة الفاسدة، بين الحضارة الإيمانية والحضارة الجاهلية، صراع شامل، يشمل كل جوانب النفس، وكل جوانب الحياة، وإن كان الصراع الحربي هو الذروة التي تحسم النتيجة، ولو إلى حين!
لقد تغلب التتار في فترة من فترات التاريخ واكتسحوا الأرض، ولكنهم لم ينشئوا حضارة، بل الأجدر أن نقول: إنهم هدموا الحضارة وأنشئوا بدلًا منها طغيانًا وكفرًا .. حتى قدّر الله لهم أن يدخلوا في الإسلام.
ولقد تغلبت جيوش الغرب في التاريخ الحديث، واكتسحوا الأرض، ولكنهم لم ينشئوا حضارة حقيقية تستحق أن توجد، وتستحق أن تعيش، على الرغم من كل التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي الذي يملكونه، بل نشروا في الأرض قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق، ونشروا الفساد