فهرس الكتاب
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8] .
وهذه الملايين التي دخلت في الإسلام بغير إكراه، إنما دخلت فيه حين رأته ممثلًا في بشر يعتنقونه ويمارسونه بالفعل، بشر تربّوا على حقيقة الإسلام، فترجموه إلى واقع مشهود يُعْجب الناظرين إليه، فتهفو له قلوبهم فيدخلون فيه. ولو لم يكونوا على هذه الصورة الوضيئة ما دخل الناس في الدين الجديد بهذه الكثرة في ذلك الزمن القصير، ولو غُلبوا في ميدان القتال، فالسيف قد يفتح الأرض، ولكنه لا يفتح القلوب! وإذا كان الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159] ، وهو رسول الله، فكيف بالبشر الفاتحين إذا لم يكونوا على خلق قويم؟!
إن تحول الشعوب بأكملها إلى الإسلام في تلك اللمحة الخاطفة من الزمان لهو أثر من آثار تلك التربية الفذة التي ربّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك القاعدة الصلبة، التي أولاها رعايته وعنايته، لتكون ستارًا لقدر الله يفعل بها ما يشاء سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الصف: 9] .
ولم تكن روعة الفتح محصورة في دخول تلك الأمم في الإسلام بهذه السرعة الخاطفة، ولكن كانت كذلك في العدل المثالي الذي تعامل به المسلمون - الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام - مع البلاد المفتوحة، حتى مع من بقي على