الصفحة 217 من 264

وأما العفوية والارتجال فقد تكون من آفات البيئة، ولكن الإسلام قاومها وقوّمها، بلفت النظر إلى السنن الربانية التي لا تتبدل ولا تتحول، وبالدعوة إلى التدبر والتفكر والتثبت في الأمور كلها، ولفت النظر إلى مآلات الأعمال، وعدم الاكتفاء بالنظر في كون العمل مباحًا في ذاته أو غير مباح، فقد يكون الأمر من المباح بل من المستحب، ولكنه يُمْنَع لما يترتب عليه من نتائج، كما أمر تعالى بعدم سب الأصنام حين ترتب عليه تجرؤ المشركين على سب الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108] .

وكما امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل عبد الله بن أبَيّ، المنافق البيّن النفاق، لكي لا يتحدث الناس بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، وهم يومئذ إما قد دخلوا الإسلام ولم يرسخ إيمانهم بعد، وإما واقفون يترقبون ولما يسلموا، وانتشار هذه المقالة بينهم يؤومئذ يعطل الدعوة ويثبط المترددين!

وأما النَّفَس القصير، وفتور الهمة بعد الحماس المشتعل، فقد يكون كذلك من آفات البيئة، ولكن الإسلام عالجه علاجًا رائعًا من كل أطرافه، فمن جهة وجه أنظارهم وأفئدتهم إلى هدف يتجاوز الحياة الدنيا كلها، والأرض كلها، والزمن كله، ويصل إلى بُعْد لا يدانيه بُعْد، وهو اليوم الآخر، وما فيه من بعث ونشور، وحساب وجزاء، وجنة ونار .. فوصل العاجلة بالآجلة، وجعل العمل في العاجلة هو وسيلة الوصول الآمن إلى الآجلة، وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت