فهرس الكتاب
وفي خلال قرن واحد، بل في خلال نصف قرن في بعض الأحيان، تبدلت الأمة تبدلًا كاملًا كأن لم تكن في يوم من الأيام هي أمة الإسلام!
تبدّل مصدر التلقي، لم يعد هو الإسلام، لم يعد هو الله ورسوله، إنما صارت"الحضارة الأوروبية"هي المصدر، وهي المثال المطلوب استيعابه والصيرورة إليه .. لم يعد هناك صدى في النفوس لقوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] .. بل صار وصف"الحضارة"الغربية بانها جاهلية يعتبر كفرًا في نظر المستعبدين للغرب، الذين أكل الغزو الفكري قلوبهم وأفهامهم، وأصبح الإسلام في حسهم هو التخلف والرجعية والبربرية والفساد، وأصبح حجاب المرأة المسلمة هو السجن والظلام، وانطلاقها عارية في الطريق هو التقدم والتحرر، وأصبح الإلحاد والكفر والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو عنوان"حرية الفكر"، وأصبح الانسلاخ من الإسلام والانتماء إلى الغرب رتبة ونيشانًا يتباهى به العبيد.
ثم دخلت"المذاهب الفكرية": الوطنية والقومية والعلمانية والاشتراكية والديمقراطية .. إلخ. لتكون البديل الفكري من الإسلام من جهة، ولتمزق هذه الأمة مزقًا متفرقة من جهة أخرى، ليسهل على العدو التقامها وابتلاعها بعد أن تعذر عليه ازدرادها وهي موحدة تحت رباط الإسلام، حتى وإن لم تكن وحدة سياسية كاملة بالمعنى الصحيح.