النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان .. وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس- فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له .. وهكذا أبطلت الخمر، وابطل الربا، وابطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، او كلمات من الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها واعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات [1] !
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم. إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد .. جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره .. يقره، او يعدله، او يغيره من أساسه .. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلًا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده ..
انه ليس (نظرية) تتعامل مع (الفروض) ! .. انه (منهج) ، يتعامل مع (الواقع) ! .. فلابد اولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا اله إلا الله، وان الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة ..
(1) - يراجع كيف حرم الله الخمر في الجزء الخامس من"في ظلال القرآن"في الطبعة المشروعة التي تصدر عن دار الشروق. وكيف عجزت أميركا عن ذلك في كتاب"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للسيد أبي الحسن الندوي منقولا عن كتاب"تنقيحات"للسيد أبي الأعلى المودودي.