الصفحة 43 من 171

بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي، يعبر نموه من داخله ومن خارجه عن نمو العقيدة ذاتها، ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية، وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك، لتتمثل العقيدة حية، وتنمو نموًا حيًا في خضم المعركة.

وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام- أن تتبلور العقيدة في صورة (نظرية) مجردة للدراسة الذهنية .. المعرفية الثقافية .. بل خطر أي خطر كذلك.

إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عامًا كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشرة عامًا، أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (النظرية الإسلامية) .

ولكن الله -سبحانه- كان يريد أمرًا آخر، كان يريد منهجًا معينًا متفردًا، كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد .. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة .. كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الحركي الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسمة للعقيدة .. وكان الله -سبحانه- يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة، فلم يكن هنالك بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة .. حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج.

هذه هي طبيعة هذا الدين -كما تستخلص من منهج القرآن المكي- ولا بد أن نعرف طبيعته هذه، وألا نحاول تغييرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت