الصفحة 55 من 171

والإفريقي .. إلى آخر الأقوام والأجناس. وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يومًا ما (عربية) إنما كانت دائمًا (إسلامية) ، ولم تكن يومًا (قومية) إنما كانت دائمًا (عقيدية) .

ولقد اجتمعوا كلهم على قدوم المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فبذلوا جميعهم أقصى كفاياتهم، وابرزوا اعمق خصائص أجناسهم، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعًا على قدم المساواة، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق، وهذا ما لم يجتمع قط لأرى تجمع آخر على مدار التاريخ! ..

لقد كان اشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلًا. فقد جمعت بالفعل أجناسا متعددة، ولغات متعددة، وألوانا متعددة، وامزجة متعددة ولكن هذا كله لم يقم على (آصرة إنسانية) ولم يتمثل في عليا كالعقيدة، لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية. وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني ـ بصفة عامة ـ وعبودية سائر الأجناس الأخرى. ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي. ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي.

كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى .. تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاََ .. ولكنه كان كالمجتمع الروماني الذي هو وريثه! تجمعًا قوميًا استغلاليا، يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية .. ومثله الإمبراطوريات الأوروبية كلها: الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية في وقت ما، والإمبراطورية الفرنسية .. كلها في ذلك المستوى الهابط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت