فهرس الكتاب
الْإِنْسَان إِذَا رَمَى نَفْسَه عَلَى عَتَبَة الْعُبُوْدِيَّة وَجَعَل الاخْتِيَار لِلاسْتِخَارَة كَان أَفْضَل مِن اخْتِيَارِه لِنَفْسِه: وهذا لا ينافي طلب العافية، وحتى لا يتصور أحد أن طل العافية فيه مشكلة، لا، إنما الناس درجات، طلب بالعافية كلنا يطلب العافية في الدنيا والآخرة، لكن أصحاب المقامات العلية قد يهاب أن يختار لنفسه، كما فعل أيوب- عليه والسلام- قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء:83) ، فـ {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} لا يصدر عنه إلا مقتضى الرحمة ,فلذلك يقول: (وَإِن آَلَمَك كرَب اخْتِيَارِي فَإِنَّك بَيْن يَدَي وَلَا تَيْأَس مِن رُوْحِه وَإِن قَوِي خِناق الْبَلَاء)
إِن صِدق ابْتِهَال الْعَبْد لِلَّه تَبَارَك وَتَعَالَى نَجَّاه، حَتَّى لَو مِن ثَقْب الْإِبْرَة: بَعْض المشايخ الذي كان معنا في المعتقل سنة واحد وثمانين، من المشايخ الكبار المشاهير وكان اسمهم يسير مسير الشمس، ثم حدث تشديد عليه من الرئيس السادات وصى عليه شخصيًا، فمأمور السجن عادةً يكون عقيد، لا هذا كان على زنزانته عميد، أي أعلى رتبةً من مأمور السجن، هذا كله لأجل أن يشدد عليه الحياة جدًا، فيكون هذا العميد يموت في هذا الشيخ، يحبه حب غير عادي، فكان كل يوم يأتي له بدجاجة مشوية في الشنطة ويحضر له الجرائد، طبعًا هذه الجرائد كان دخولها إلى السجن حاجة مستحيلة، أنا فاكر لما مرة ذهبنا إلى جلسة للمدعي الاشتراكي ونحن في سيارة السجن، والدنيا كانت حر جدًا، وواحد كانت أصلع ويغطى رأسه بالجرائد، فواحد من الأخوة الذين معنا في السيارة خطف منه الصحيفة، وقال له اسكت حتى لا يحدث مشكلة, وبدأنا نتداول كلنا كيف ندخل هذه الجرائد، لأنه تفتيش ذاتي، تدخل تفتيش ذاتي، ولا