فهرس الكتاب
الأول. نعم كلاهما في الصف الأول، لكن هذا بخلاف هذا، أجر الذي أتي أولًا أفضل من الذي أتي بعده، وعندما رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة يتأخرون عن الصف الأول قال:"لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالي"، أي يؤخرهم عن أن يكونوا في الصفوف الأولي المقربين منه.
فكلما استطعت أن تكون في أوليات الناس وهذه مسألة خاضعة للهمة، أي أقصد طبعًا همة الرجل الفطرية ثم يثقلها بالإيمان، هذا هو الذي يجعل الإنسان يصبر علي أن يقطع هذا المضمار، لاسيما إذا كان يعلم أنه مقبل علي ربه- تبارك وتعالي-، وأنه لم يعد في العمر مثل الذي مضي، فهذا يدفعه إلي مثل هذا التقدم في مثل هذا السباق.
وبعد ذلك ذكر بعض الأسباب التي تعين علي هذا , فقال: (الخَلوَة الخَلوة) أي: ألزمي الخلوة (واستَحضِرِي قَرينَ العَقلِ وجُولي في حَيرَة الفِكر واستَدرِكِي صُبَابَة الأَجلِ قَبل أن تَميل بِكِ الصَّبَابَة عن الصَّواب) الصُّبَابَة: الشراب المتبقي في الإناء، في قعر الإناء بعد الشرب، أسمها الصبابة، وتسمي في الفقه السؤر، فهذه الصبابة أي الشيء الباقي القليل. يقول: (واستَدرِكِي صُبَابَة الأَجلِ) أي ما تبقي من عمرك إلا كما بقي من هذا السائل في هذا الإناء، وعندنا في صحيح مسلم حديث عُتبة بن غزوان- رضي الله عنه- أنه خطب في أهل البصرة مرة خطبة بليغة، كان في مفتتحها، قوله: ألا إن الدنيا آذنت بِصُرمٍ وَوَلَت حَذَّاء، ولم يبقي منها إلا صبابة يتصابها صاحبها. آذنت بِصُرم: أي بقطيعة، كما قال امرؤ القيس
أَفاطِمُ مَهْلا بَعْدَ هَذَا الْتَّدَلُّل