صلَّى الله عليه وسلَّم. قيل له: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين. وهذا خبر صحيح باتفاق أهل العلم [1] ، وهو يقتضي أنه لم يعطها خادمًا. فإن كان بعد ذلك حصل لهما خادم فهو ممكن، لكن لم يكن اسم خادمهما فضة بلا ريب.
الوجه السابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن بعض الأنصار أنه آثر ضيفه بعشائهم، ونوم الصبْيَة، وبات هو وامرأته طاويين. فأنزل الله سبحانه تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] [2] .
وهذا المدح أعظم من المدح بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} [الإنسان: 8] ، فإن هذا كقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} [البقرة: 117] .
وفي الصحيحين عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سُئل: أي الصدقة أفضل؟ قال:"أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخاف الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" [3] .
وقال تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] . فالتصدّق مما يحبه الإنسان جنس تحته أنواع كثيرة. وأما الإيثار مع الخصاصة فهو أكمل من مجرد التّصدّق مع المحبة، فإنه ليس كل متصدق محبًّا مؤثرًا، ولا كل متصدّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدق بما يجب، مع اكتفائه ببعضه، مع محبة لا تبلغ به الخصاصة.
فإذا كان الله مدح الأنصار بإيثار الضيف ليلةً بهذا المدح، والإيثار المذكور في قصة أهل البيت هو أعظم من ذلك، فكان ينبغي أن يكون المدح عليه أكثر، إن كان هذا مما يُمدح
(1) الحديث - مع اختلاف يسير في الألفاظ - عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في: البخاري 5/ 19 (كتاب فضائل أصحاب النبي ... ، باب مناقب عليّ بن أبي طالب) ، 3/ 65 (كتاب النفقات، باب خادم المرأة) ، مسلم 4/ 2091 - 2092 (كتاب الذكر والدعاء ... ، باب التسبيح أول النهار وعند النوم) ، سنن أبي داود 4/ 430 (كتاب الأدب، باب في التسبيح عند النوم) ، سنن الترمذي 5/ 142 (كتاب الدعوات، باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند النوم) .
(2) سبق هذا الحديث في هذا الجزء ص 183.
(3) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 2/ 716 (كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح) ، سنن النسائي 5/ 51 (كتاب الزكاة، باب أي الصدقة أفضل) ، 6/ 198 (كتاب الوصايا، الكراهية في تأخير الوصية) ، سنن ابن ماجه 2/ 903 (كتاب الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت) ، المسند (ط. المعارف) الأرقام 7159، 7401، 9367، 9767.