فإن كان عليّ وفاطمة وسائر أهلهما لم يعلموا مثل هذا، وعلمه عموم الأمة، فهذا قدح في علمهم، فأين المدِّعي للعصمة؟
وإن كانوا علموا ذلك، وفعلوا ما لا طاعة فيه لله ولرسوله، ولا فائدة لهما فيه، بل قد نُهيا عنه: إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيل - كان هذا قدحًا إما في دينهم وإما في عقلهم وعلمهم.
فهذا الذي يروي مثل هذا في فضائلهم جاهل، يقدح فيهم من حيث يمدحهم، ويخفضهم من حيث يرفعهم، ويذمهم من حيث يحمدهم.
ولهذا قال بعض أهل البيت للرافضة ما معناه: إن محبتكم لنا صارت معرّة علينا. وفي المثل السائر"عدوّ عاقل خير من صديق جاهل".
والله تعالى إنما مدح على الوفاء بالنذر، لا على نفس عقد النذر. والرجل يُنهى عن الظهار، وإن ظاهر وجبت عليه كفّارة للظهار، وإذا عاود مُدح على فعل الواجب، وهو التكفير، لا على نفس الظهار المحرّم. وكذلك إذا طلّق امرأته ففارقها بالمعروف، مُدح على فعل ما أوجبه الطلاق، لا نفس الطلاق المكروه. وكذلك من باع أو اشترى فأعطى ما عليه، مُدح على فعل ما أوجبه العقد، لا على نفس العقد الموجب. ونظائر هذا كثيرة.
الوجه السادس: أن عليًّا وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة، بل ولا لأحدٍ من أقارب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. ولا نعرف أنه كان بالمدينة جارية اسمها فضة، ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم الذين ذكروا أحوالهم دقها وجلها. ولكن فضة هذه بمنزلة ابن عقب الذي يُقال: إنه كان معلّم الحسن والحسين، وأنه أعطى تفاحة كان فيها علم الحوادث المستقبلة، ونحو ذلك من الأكاذيب التي تروج على الجهّال. وقد أجمع أهل العلم على أنهما لم يكن لهما معلم، ولم يكن في الصحابة أحد يُقال له ابن عقب.
وهذه الملاحم المنظومة المنسوبة إلى ابن عقب، هي من نظم بعض متأخري الجهّال الرافضة، الذين كانوا زمن نور الدين وصلاح الدين، لما كان كثير من الشام بأيدي النصارى، ومصر بأيدي القرامطة الملاحدة بقايا بني عبيد، فذكر من الملاحم ما يناسب تلك الأمور بنظم جاهلٍ عامّيّ.
وهكذا هذه الجارية فضة. وقد ثبت في الصحيحين عن عليّ أن فاطمة سألت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم خادمًا، فعلّمها أن تسبّح عند المنام ثلاثًا وثلاثين، وتكبّر ثلاثًا وثلاثين، وتحمد أربعًا وثلاثين. وقال: "هذا خير لك من خادم". قال عليّ: فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي