وسورة"هل أتى"مكّيّة باتفاق أهل التفسير والنقل، لم يقل أحد منهم: إنها مدنية. وهي على طريقة السور المكّيّة في تقرير أصول الدين المشتركة بين الأنبياء، كالإيمان بالله واليوم الآخر، وذكر الخلق والبعث. ولهذا قيل: إنه كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقرؤها مع: (ألم تنزيل) [1] . في فجر يوم الجمعة، لأن فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه تقوم الساعة.
وهاتان السورتان متضمنتان لابتداء خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان إلى أن يدخل فريق الجنة وفريق النار. وإذا كانت السورة نزلت بمكة قبل أن يتزوج عليّ بفاطمة، تبين أن نقل أنها نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب البيّن.
الوجه الرابع: أن سياق هذا الحديث وألفاظه من وضع جهّال الكذابين. فمنه قوله:"فعادهما جدهما وعامة العرب"فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة، والعرب الكفّار ما كانوا يأتونهما يعودونهما.
ومنه قوله:"يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك". وعليّ لا يأخذ الدِّين من أولئك العرب، بل يأخذه من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. فإن كان هذا أمرًا بطاعة فرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحق أن يأمره به من أولئك العرب، وإن لم يكن طاعة لم يكن عليّ يفعل ما يأمرون به. ثم كيف يقبل منهم ذلك من غير مراجعة إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك؟!.
الوجه الخامس: أن في الصحيحين عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل [2] .
وفي طريق آخر:"إن النذر يرد ابن آدم إلى القدر فيعطي على النذر ما لا يعطي على غيره" [3] . وإذا كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينهى عن النذر ويقول: إنه لا يأتي بخير وإنما يرد ابن آدم إلى القدر.
(1) وهي سورة"السجدة".
(2) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن ابن عمر رضي الله عنهما في: البخاري 8/ 124 - 125 (كتاب القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر) ونصه فيه: نهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن النذر، قال:"إنه لا يَرُدُّ شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل"مسلم 3/ 1260 - 1261 (كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا) وجاءت فيه ثلاث روايات (الأحاديث رقم 2، 3، 4) منها الرواية التي ذكرها ابن تيمية. والحديث أيضًا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي ومسند أحمد، وانظر ما ذكره عنه الألباني في"إرواء الغليل"8/ 208 - 209 (رقم 255) .
(3) لم أجد هذا الحديث.