الصفحة 1 من 33

بسم الله وكفى، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن وفّى ووفى. وبعد:

فإنَّ الحديثَ عن القضاء والقدر شائكٌ وخطيرٌ لمن جهل حقيقته، وسَهْلٌ واضحٌ لمن فهم الدينَ، بوعي، وأحسنَ المقارنةَ بين النصوص الشرعية، وأَيقن بعدالة الله تعالى.

ولقد انزلقَ كثيرٌ من المسلمين الجاهلين إلى مهاوي الذلِّ، والكسل، والتقاعس، والجبن، والتواكل؛ لجهلهم بحقيقة القضاء والقدر، فأهملوا الأسبابَ، وانتظروا النَّصْر والفلاح، دون أن يسلكوا سبيلَهما، ففاتهم النجاح.

ولو أردنا الإِطالةَ والتفصيل لطال بنا المجال، وكثر، المقال، ولكنْ خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ.

يُقال: قدّر فلانٌ الشيء، أي: حدّد مقداره، وقدر الشيء بالشيء، أي: قاسه به وجعله على مقداره.

ويقال: قدّر الخياط، أي: قاس طولَ فلان وحجمه؛ فقَصَّ الثوبَ مناسبًا لقامته.

وقدّر اللهُ الأمرَ: عَلِم وعَرَف ما فَعَله الإنسانُ من خير أو شرّ، فأمر وحكم، وقضى أن يكافأ عطاءً وثوابًا إن أحسن، أو يُعاقب جزاءً وفاقًا إن أساء:

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8]

ويُقال: قضى الله الشيءَ، أي: قدّره. وقضى الله بالشيء، أي: أمر به. ومنه:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]

والمنطلقُ الصَّحيحُ في هذا البحث هو العدالةُ الإلهيةُ الحق. قال تعالى:

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8]

{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]

وفي الحديث القدسي: «يا عبادي! إِنِّي حرَّمْتُ الظُّلْمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا فَلا تظالموا ... إلى قوله: يا عبادي! إنما هي أعمالُكم أُحصيها عليكم، ثم أوفّيكم إياها، فمن وجدَ خَيرًا فليحمدِ اللهَ، ومَن وَجَدَ غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسَه» [1] .

اللهم رضِّنا بقضائك وقدرك، واجعلنا من الراشدين.

دمشق في 1 رمضان 1414 هـ

وكتبه هشام الحمصي

الفصل الأول

المسؤولية تقتضي الحرية

لقد رتَّب اللهُ تعالى مسؤوليةً على العبد البالغ، العاقل، المختار، غير المكره، عن كل ما قال، أو فعل، أو عمل. وهذه المسؤولية تقتضي الحريّة، وإلا كان العقابُ ظلمًا:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]

ولذلك يُعاقب القضاةُ المجرمين، لأن المجرمَ أساء بمحضِ إرادته، وقد خطَّط لجريمته. ولا تُعتبر نتيجةُ الامتحان للطلاب عادلةً إلا إِذا أُعطي الطالبُ الحريةَ الكاملةَ في أن يكتب، ويجيب عن الأسئلة، كما يعرف ويريد.

وآدمُ أَوَّلُ مخلوقٍ من البشر مُنِع من أكل الشجرة، وأعطي حرية التصرف، ولم يُكره على تركها، وكذا حواء، فأكلا منها مختارين، فحرية التصرف منحها اللهُ تعالى للبشر منذ البداية، وفي ذلك تكريمٌ للإنسان وسعادة.

ولا ريبَ أَنَّ عَقيدةَ الجبر والإكراه تطيحُ بالوحي والتَّنْزيل، وتمنع النشاطَ الإنسانيَّ والعمل، وتُفقد الإنسان الأملَ، وتُغْريه بالذلّ والكسل، وهي تكذيبٌ لما جاء عن الله تعالى ورسله الكرام من العدل:

{فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149]

وأهمُّ عناصر هذه الحجة:

1 -العقل الذي وهبه الله للإنسان، وجعله مناطَ التكليف؛ ليميزَ به بين الحق والباطل، ويصلَ به إلى الإيمان بالخالق العظيم وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

2 -والفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها:

{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*} [الحجرات: 7 - 8]

3 -أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.

4 -أنزل عليهم الكتبَ، فيها شرائعُ الله تعالى لعباده، فيها ما يأمرهم به، أو ينهاهم عنه.

5 -أكرم الإنسانَ بحرية التصرف والاختيار، وحمَّله أمانةً هي العقل، يفكر به فيختار الحق، ويرفض الباطل، ويفعل الخير، ويتجنب الشر، ويقوم بالتكاليف الشرعية كما شرعها الله تعالى، يفعل ذلك مختارًا لا مُكْرَهًا، فيسعد في دنياه وأخراه، فإن أساء فأعمل عقله وحواسه وطاقاته، وعصى ربه، خاب وخسر؛ لأنه آثر أن يكونَ ظلومًا لنفسه، ومجتمعه، ومستقبله، جهولًا، يخبط خبط عشواء:

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]

وإنما أعطاه حريةَ التصرُّفِ ليكرمه بذلك، ويسعده. فالحرية أَغْلى ما يملكُ الإنسان، ويسعد به. والله خلق الإنسانَ لأنَّه أرادَ أن يُوْجد مخلوقًا يعبده، ويستجيب له عن طواعية، وقناعة، وتعَقّل، ورضا، ورسم له طريقَ النجاة والفوز بالجنة، يسير إليها وبيده خيطٌ من حرير لا سلسلة من حديد.

ألا ما أسعدَ الإنسان حين يذوقُ حلاوةَ جهده وإخلاصه، فيؤمن عن يقين، ويستقيم عن رضا.

وما أسعد الطالبَ حين ينجح بجهده ودراسته، فيخرج إلى الحياة العملية بسلاحِ العلم الصَّحيح، فيعطي العطاءَ النافع، ويثمر الثمرَ اليانع.

ولن يسعدَ إنسانٌ عاش مقهورًا، أو سِيْقَ إلى الاعتقاد، أو إلى الخير مُجْبرًا.

ولن يسعدَ طالبٌ نجح غشًّا وزورًا، ولن يفلح في الحياة العملية، ولن ينتج خيرًا، ولن يعيشَ مسرورًا.

وهل خُلِقَ الإنسانُ إلا ليسعدَ في الدارين؟! يعيشُ في الدنيا يسابقُ غيره في ساحة السَّعي للخلود بصحبة الخالق يوم الدين، فإذا فاز في سباق الإيمان والعمل الصالح، حظي بالمغفرة والرضا والجنة:

{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]

6 -جعل بابَ الهداية مفتوحًا لمن أراد. فالرسلُ تدلُّ على طريق الإيمان، والحق، والفضائل، وتدعو إليه بالحكمة والحسنى، دون إكراه ولا قسر:

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون: 73]

{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22]

{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]

فإن وَجَدَ اللهُ تعالى من العبد صِدْقًا وإخلاصًا في الإقبال على طلب الحق، والإيمان، والهدى، وفَّقه لذلك، ومكّن ذلك في فؤاده.

{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]

أي: إنَّ مهمتك أيها الرسول الكريم: التبليغ، والدلالة، والإرشاد، أما تمكين الهدى من القلوب فهو بيد الله وحده. فهو سبحانه وتعالى:

{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]

وقد يسّر سبيل الهداية لكل الناس، وأما من طغى، وأعرض، وآثر الحياة الدنيا، فقد فعل ذلك

(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت