الصفحة 5 من 33

بمحض إرادته، فلابد من عقابه:

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17]

{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5]

فهم الذين أرادوا الزيغَ، وأَصرُّوا عليه، فتركهم وشأنهم، فتابعوا طريق الضلال مختارين لا مكرهين، إذ:

{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]

فالرشدُ واضحٌ، ميسر، محبّب للنفوس، والغي واضح، معسَّر، مكره للنفوس كما رأيت من قبل في سورة الحجرات. والله تعالى قد سوّى نفسَ الإنسان، وفَطَرها على حُبِّ الإيمان، وزيَّن ذلك في قلوب الناس، وكرَّه إليهم الكفر، والفسوق، والعصيان، فإن استجابوا لتلك الفطرة الزكية النقية كانوا هم الراشدين.

وقد جَعَلَ اللهُ تعالى مسؤوليةَ الصَّغير على والديه، وحمَّلهما أمانةَ تربيته وتوجيهه نحو الإيمان، والحق، والفضائل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]

وقد بيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ كلَّ مولود يُولد على الفطرة، وأنَّ أبويه هما اللذان يجنحان به نحو الكفر والضلال إن كانا على غير هدى؛ لأنه يقلِّد ويستجيب دون تمييز، ومقتضى العدالة الإلهية أن يُرفع القلمُ والحسابُ عن الطفل وهو صغير، قال - صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ» [1] لأنَّ تصرُّفهم عن غير وعي ولا إرادة.

وإِذا كان الفلاَّحُ يُسوِّي الأرض، أي: يزيل منها الحشائش الضارة، فيحرثها ويمهدها لتصبح قابلةً للزراعة، فقد يزرعُ فيها ما يحل وينفع، وهو مطلوبٌ منه، أو ما يضرُّ وهو محرَّمٌ عليه. والله عز وجل قد سوَّى نفسَ الإنسان، ونقَّاها، وفطرها على حب الهدى، والخير، وكره الضلالة والشر:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8]

وجعل مسؤولية الطفل على مَن ربَّاه وهو صغير، فإذا بلغ عاقلًا صار مسؤولًا. والتوجيهُ نحو الخير مطلوب ومفروض، فإن كان نحو الشر فهو محرّم ومرفوض:

{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 7 - 8]

الفصل الثاني

الفرق بين المشيئة والرضا

في بحث القضاء والقدر يجبُ أن نفرِّق بين المشيئة والرضا، فالله تعالى يشاءُ كلَّ ما يجري في هذا الكون أو يكون، وما من حركة ولا سكون إلا بإذنه، ومشيئته، وإرادته، فإن أراد الشيءَ كان، وإلا لم يكن. وكلُّ ذلك لحكمةٍ أرادها، وهو الحكيم الخبير:

{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]

فهو سُبحانه وتعالى يريدُ الإيمانَ، والحقَّ، والخير، والفضائل، ويرضى بذلك، ويريدُ الكفر، والباطل، والشر، والرذيلة، ولكنه لا يرضى بها، يريدُها لأنه أعطى حريةَ التصرُّف، ولم يُكره أحدًا على خير ولا شرّ:

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]

أي: ولو شاء الله أن يُكرهَكم على شيء لجعلكم جميعًا على ملَّة واحدة، ولكنه أعطاكُم حريةَ التصرُّف؛ لأنه خلقكم ليمتحنكم:

{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]

فإِذا أردتم النجاحَ في سباق الخلود بصحبة الخالق العظيم، والنَّجاة من عِقابه الأليم، فاستبقوا الخيرات، فإليه المرجعُ والمآب، حيثُ جزيل الثواب، أو شديد العقاب:

{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 25 - 26]

ويفسر ما مرّ معنا قوله تعالى في سورة الأنعام:

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [35]

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [107]

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [112]

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [149]

والمفعول به لفعل شاء محذوف، أي: لو شاء إكراهكم على شيء لأكرهكم على الهدى، ولكن أعطاكُم حريةَ التصرف ليسعدكم، ويصدق الابتلاء والامتحان. وفي حرية التصرُّف والاختيار كرامةٌ لكم

(1) رواه أحمد وأبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت