الصفحة 9 من 33

قد يُصابُ القطا فينجو سليمًا ... ويحلُّ البلاءُ بالصّيّاد

تزوَّدْ من الدنيا فإنك لا تدري ... إِذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجر

فكم من صحيحٍ مات من غير علَّةٍ! ... وكم من عليلٍ عاش حِينًا من الدَّهرِ!

وكم من فتى يمسي ويصبح لاهيًا! ... وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدري

فقد يُصاب الجبان في آخر الصفِّ، وينجو مقارعُ الأبطال. وسيدنا خالد بن الوليد - رضي الله عنه - خاضَ من الحروب قبل إسلامه وبعد إسلامه ما لا يحصى، وكان الشجاعَ المقدامَ في أول الصفوف، وتمنّى أن يموتَ شهيدًا، فلم يمت إلا على فراشه.

والإنسان على أية حال مُطالب أن يسلكَ سُبُلَ الخير، والعلم، والسلامة، والعافية، طالبًا من الله العونَ، والتوفيق، والسَّداد، والرَّشاد.

وفي سورة يوسف [64] :

{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}

فإن أفلح ونجا فبقدر الله وقضائه، وإن خاب وأخفق فبقدر الله وقضائه، وكلٌ لحكمةٍ أرادها اللهُ، والله هو الحكيم الخبير.

والتاريخُ يُحدِّثنا أنَّ أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - لما أراد أن يتابعَ زحفه وفتوحاته في بلاد الشام، وقد انتشر طاعون عمواس، أمره عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - بالانحسار عن مكان الطاعون، وحماية الجيش من الوباء، وهو ما يُسمَّى اليوم (الحجر الصّحي) فأرسل له أبو عبيدة: أنفرُّ من قضاء الله وقدره؟ فأجابه عمر: نعم، نفرُّ من قضاء الله وقدره إلى قضاء الله وقدره. أرأيت يا أبا عبيدة! لو كنتَ راعي غنم، وأمامك أرضان: الأولى فيها خِصب ونماء، والثانية خاوية جدوب، فأيّ الأرضين ترعى فيها غنمك؟ فأجابه: في الأولى، ذات الخصب والنماء. فقال: إِذًا فاحفظِ الجيشَ من الوباء والداء، واسلكْ به سبيلَ النجاة، والسلامة، والهناء.

ولشدّ ما كان فرحُه عظيمًا حين أخبره أحدُ الصَّحابة، وأقسم له أنه سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا سمعتم بالطّاعون في أرضٍ فلا تدخلُوها، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها» [1] . فأقام الدليلَ على أبي عبيدة عقلًا ونقلًا. وفي سورة البقرة [195] :

{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}

وفي سورة النساء [71] :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}

ورحم الله مَن قال:

يا راعيَ الشَّاءِ لا تهملْ رعايتها ... فأنتَ عن كلِّ ما استرعيتَ مسؤولُ

إِنِّي لفي مَنْزلٍ ما زلتُ أعمره ... على يقينٍ بأني عنه منقولُ

كُلْ ما بدا لك فالآكالُ فانيةٌ ... وكلُّ ذي أُكُلٍ لا بُدَّ مأكولُ

الفصل الثالث

الفرق بين المصيبة والمعصية

لا بُدَّ أن نميزَ بين المصيبة والمعصية.

فالمعصيةُ من العبد، وهو مسؤول، ومُعاقَبٌ عليها؛ لأنه حُرُّ التصرُّف، وقد فعلها راضيًا بها، ساعيًا لها، مختارًا، ولا مُكْرَهًا، ولكنه لم يَفْعَلْها قسرًا عن إرادة الله، إذ لا يجري في الكون شيءٌ إلا بإذن الله وإرادته. وقد رأينا أنَّ اللهَ يريدُ المعصية، ولكنه لا يرضى بها، وشرحنا ذلك في حينه.

وقد قال بعضُ العلماء: نحن نؤمنُ بالقدر والقضاء، ونحتجُّ بهما في المصائب لا في المعاصي والمعائب. فاحتجاجُ العاصي بالقضا تبجُّح لا يُرتضى.

والله تعالى قد خَلَقَ في العبد طاقةً على الحركة، والقول، والعمل، وأمره أن يستخدمَها في الخير، والحق، والإيمان، والفضائل، لا في الشرّ، والباطل، والكفر، والرذائل. وطالبه بإصلاح نفسه، وحذَّره من فسادها، ووعده إن هو امتثل واستجاب أن يفلح، وأوعده إن هو عصى، وأعرض عن الله، أن يخيب ويندم. قال تعالى:

{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10]

وأصابَ الحكمةَ، وكان على سداد ورشاد، مَن قال: «تُنسب الأعمالُ إلى الله خَلْقًا وإيجادًا، وإلى العبد كسبًا وإرادة» .

ففي اليد طاقةٌ يمكن أن تُستخدم لخير أو شر، والخير مفروضٌ والشر حرام ومرفوض، وفي العين طاقةٌ يمكن أن تُفتح لحلال أو حرام، والحلال مفروض، والحلال ممنوع ومرفوض. وفي الحديد يمكن أن تُستخدم للجهاد، والدفاع، وردّ الظلم والعدوان، وفي سبيل إعلاء كلمة الله، وحماية المؤمن أن يفتن في دينه، أو يُساء إلى حقوقه ومقدّساته، وذلك مطلوب ومفروض، ويمكن أن تُستخدم للجريمة، والظلم، وإقامة صروح الطغيان والفساد، وذلك حرام ومرفوض:

{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]

والكتاب السماوي الوحيدُ الذي اهتمَّ بالحديد هو القرآنُ الكريم، فقد أفرد الله تعالى له سورة كاملة، هي سورة الحديد. وإن تعجبْ فعجب أن أمةَ القرآن، أمة سورة الحديد، هم أضعف الناس وأقلّهم خبرةً في مجال صناعة الحديد؛ الذي يُعتبر أهم المعادن في مضمار الحضارة، وساحة الحروب والجهاد!.

إنَّ حبذَ الدنيا، وكراهية الموت، جعلتهم على كثرتهم غثاءً كغثاء السيل، وقذفت في قلوبهم الوهن

(1) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت