الصفحة 8 من 33

وفي الحديث الشريف: «مَن تردَّى مِن جبلٍ فقتل نفسَه فهو في نار جهنم يتردّى خالدًا فيها أبدًا ... » [1] .

ويُقاس على ذلك كلُّ وسيلة للانتحار. وفي الحديث أيضًا: «ولا تحاسدوا» [2] بالنهي الجازم.

فإِذا أصرَّ المنتحرُ على قتل نفسه فمات، وأصرَّ الحاسدُ على كُرْه نِعَم الله تعالى على عباده، فحسدَ الناسَ عليها، مادية كانت أو معنوية، وسعى في ذهابها عنهم بشتى وسائل الكيد، والمكر، والوِشاية، والأذى؛ فحصل من الحسد ضررٌ للمحسود. فإنَّ موتَ المنتحر، ونزول الضَّرر بالمحسود، لا يقعان إلا بقضاء الله وإرادته. وغاية ما في الأمر أنهما وافقا قدر الله وقَضاءه، زمانًا ومكانًا، فوقع ما قدَّر اللهُ وقضى، وعُوقب المنتحرُ والحاسدُ على فِعْلهما، بحيث لو لم ينتحر الأولُ، ولم يحسد الثاني، لوقع ما قدّره الله من موت أو ضرر.

هذا وإنَّ الموتَ ليس نتيجةَ الحوادث، فقد تقعُ أشدُّ الحوادث ولا يعقبها موت؛ لأن سببَ الموت واحدٌ لا يتعدَّد، هو انقضاءُ الأجل بمشيئة الله وقدره وقضائه. فكم من أناس أقدموا على الانتحار بأعنف الوسائل ولم يموتوا، وأنقذوا، وعُولجوا، وعاشوا بعد ذلك طويلًا! وكم من حاسدين حسدوا، والغيظ يملأ قلوبهم، فلم يحصل من حسدهم شيء من ضرر أو أذى!

ففي سورة الأعراف [34] :

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}

وفي سورة يونس [49] :

{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}

وفي سورة النحل [61] :

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}

وأخطأ الشاعر حين قال:

من لم يمتْ بالسَّيفِ مات بغيره ... تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحد

لأنَّ سببَ الموت واحد لا يتعدد، أَلا وهو (انقضاء الأجل) :

كم مريض قد عاشَ من بعد يأسٍ ... بعد موتِ الطبيبِ والعوّادِ!

(1) رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي.

(2) رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت