وفي سورة الأنعام [125] :
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}
وفي الحديث الشريف: «استقيموا ولن تحصُوا» [1] أي: إذا استقمتم فلن تستطيعوا أن تحصوا الخيرَ الذي سيأتيكم، لاستقامتكم.
فَقُلْ للذين ضلّوا، وضاقت بهم سبل الحياة والرزق، كما ضاقت بهم صدورهم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]
الفصل الخامس
ليس للشيطان سلطان على المتقين
أذكر أنَّ أحدَ الطُّلاب سألني عن تفسير قوله تعالى في سورة هود [119] :
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
فقلت له: لا بُدَّ من تلاوة جميع الآيات التي تتحدَّثُ في هذا الشأن؛ لنصلَ إلى الفيصل في القضية، فما أُجْمِلَ في مكانٍ فُصِّل في غيره. وخيرُ تفسير للقرآن الكريم أن نرجعَ إليه نفسه - والله أعلم بمراده - ولا يجوز لمسلم أن يكونَ جاهلًا بكتاب الله، ولاسيما إن كان من طلاَّب العلوم الشرعية. والربطُ بين الآيات القرآنية ذات الموضوع الواحِد نعٌ من التدبُّر والتفكر. ولو فعلتَ يا بُنيَّ لوصلتَ إلى الرأي السَّديد الذي يدُّلك على عدالة الله الشاملة، الكاملة، وأنَّ دخولَ جهنم مصيرُ الكافرين والمشركين والضالين والمنافقين والفاسقين؛ الذين فعَلوا ذلك بمحض إرادتهم دون قسر ولا إكراه، والله تعالى يقول في سورة النساء [147] :
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}
فتعالَ معي نتدبَّر آيات الله فيما سألت عنه:
يقول اللهُ تعالى في سورة الأعراف [156 - 158] :
{قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}
فمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولٌ للبشرية جمعاء، ولكل إنسان، فلا نجاةَ لأهل الكتب السماوية الأخرى إلا بالإيمان به، والتصديق بما جاء به. ولقد جاءنا بالحسنيين: خيري الدنيا والآخرة:
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] .
فمن آمنَ فقد اهتدى، ومَن كفر أصابه العذاب.
(1) رواه أحمد ومالك وابن ماجه.