المقدس وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام).
وقال ابن القيم: (ثم أسري بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى فوق السموات بجسده وروحه إلى الله ... وكان ذلك مرة واحدة، هذا أصح الأقوال) (زاد المعاد ج 1 ص 99)
وقال شارح الطحاوية: (فالذي عليه أئمة النقل، أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة) . (ص 224)
قوله (وبعدها) أي بعد الثلاث عشرة بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم -، أمر بمفرقة المشركين وأوطانهم , بحيث يتمكن من إظهار دينه , والدعوة إلى الله في غير بلادهم، فإن ذلك واجب فرض , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
والهجرة واجبة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام , قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا , إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا} .
قال ابن كثير في تفسيره (1/ 555) :
(قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة , وليس متمكنًا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع , وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي يترك الهجرة {قالوا فيم كنتم} أي لما مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة) .
قال ابن قدامة في المغني (10/ 515) :(فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجرا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب.
الثاني: من لا هجرة عليه , وهو يعجز عنها إما لمرض، أو إكراه على الإقامة , أو ضعف من النساء والولدان وشبههم , فهذا لا هجرة عليه لقوله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا} .
الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه , وهو من يقدر عليها لكنه متمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر فتستحب له , ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم) .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 190) :
( ... فمن به ـ أي البلد الذي لم يفتح المسلمون ـ من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادر على الهجرة منها , لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته، فواجبة عليه.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته , فمستحبة لتكثير المسلمين بها , ومعونتهم وجهاد الكفار.
الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره , فتجوز له الإقامة , فإن حمل نفسه وتكلف الخروج أُجر).
# قوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}
أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين , وأخبر أن الأرض غير ضيقة بل واسعة , تسع جميع الخلائق , فإذا كان الإنسان في أرض ولم يتمكن من إظهار دينه فيها , فإن الله قد وسع له الأرض ليعبده فيها كما أمر.
من السنة:
عن معاوية - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة , ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) . رواه أبو داود
معنى قوله: (لا تنقطع التوبة ... ) أي لا تنقطع الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إلى يوم القيامة.