الصفحة 2 من 10

فإذا وجدنا أن الشرع اعتنى بأفراد من الزمان أو المكان، فذلك دليل على تفضيل ذوات تلك الأفراد على سائر أجناسها. وبتفاضل الزمان والمكان يحصل التنبيه على تفاضل الأعمال، فهما عَرَضا كل عمل، فلا عمل إلا في زمنٍ هو فيه مفعول، وموضعٍ هو به مشغول، فإذا تفاوت عرضا العمل، نبه ذلك على تفاوت الأعمال، والأعمال بتفاوتها تنبيه على تفاوت العاملين وتفاضل أعيان المكلفين، فإن تفاوت أعمالهم لتفاوت ذواتهم، فذواتهم متباينة في تفضيل الله تعالى لها وحبه إياها، بل وكل ما يترتب على تلك المحبة من التوفيق والآثار، كما في التفضيل والتشريف في الأجر والمثوبة والدرجات في الجنة، كأن ذلك كله معلق على فهم تلك السنة الجارية.

وهذه الأيام العشر المباركة التي سيقت إلى العبد بخيرها وفضلها، بغير سؤال منه ولا طلب، لهي محركة إلى مواضع ذلك النظر، منبهة إلى أمر من وراء ذلك التفاوت. فكأن العبد ينظر إلى الله تعالى يشاء ويصور، يريد ويقدِّر، يخلق ويختار، فكان هذا التباين كله، بين كل الخلق، بل بين أفراد جنس الخلق الواحد، بل بين عمل المرء الواحد، فكأن تلك السنة صارت نافذته التي يرى منها قدرة الله القاهرة وحكمته الباهرة، فيشهد بذلك عزة الله تعالى ليتعبد القلب في ذلك بما يشهده من عزته، عزة مطلقة، فهو العزيز سبحانه في حكمه، العزيز في تقديره، عزَّ فقدر، عزَّ فخلق فصوَّر، عزَّ فشاء ودبَّر، عزَّ ففضَّل وتخيَّر كيفما شاء وأعطى كل خلقٍ بحسب ما سبق به علمه.

فهو ناظر بقلبه إلى الله تعالى وقد تفرد بعزته، فليس يشوش شهوده لوصف العزة شيء ألبتة، فإنه كما خلق وصور في الأرحام كيف يشاء فإنه يختار ويفضِّل كيف يشاء، فهل يعارض القلب في ذلك منازع؟ وهل يحجزه عن شهود ذلك مانع؟

فالفضل الذي في الأيام المسوقة إليه، كذا كل تفاضل في الزمان - بل المكان- لمُوقِظٌ قلبه لشهود معاني العزة، إذ إن تلك المقدرات خارجة عن قدرته قطعا، لا تجري عليها أدنى تصرف لأحد من دون الله، فليس للعبد فيها مشيئة، ولا تدركها منه إرادة، فلا كسب له في ذلك ولا سعي، فتفضلت أيام رغم أنفه، وتباركت بقاع ولو على كره منه. فشهود تفرده تعالى بعزته في تصريف ذلك والاختيار فيه ميسور الفهم، قريب المنال، يكاد لا يخفى لبادي النظر والتفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت