فتنشغل جوارحه بوظائف الخدمة والطاعات، والانقطاع باطنًا قد تجرد لله، تخلص من كل كسب ودعوى، تخلص من رؤية الأسباب، قد تجرد باطنه لله فلا يرى إلا الله تعالى، انقطع ظاهرًا وباطنًا، فالعبد الآن يعان أن يحقق تلك الحال، وأن يقاربها بما فيها من أحوال مشرفة ظاهرًا وباطنًا.
فالمقصود الآن، والمفترض في تلك الأيام أن يختلف الحال عما كان، أن يختلف حال العبد فيما يستقبل من تلك الأيام التي سيقت إليه عما يكون في غيرها، أيام تحمل إليه ويحمل إليها، بل ويحمل فيها على أعمال، ليحقق غاية كان النبي - صلى الله عليه وسلم - محققها على أتم حال في كل لحظات حياته.
ليحقق في تلك الأيام غاية من أجلها كان تشريع الحج الأكبر. فإن فات العبد حج بيت الله لم يفته أن يحقق تلك الغاية. والله تعالى أعلم.
يقول - صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) (رواه البخاري) .
فمما تقدم نفهم ذلك الإشكال الذي قد يعرض لبعض الناس: كيف يفضل العمل الصالح في تلك الأيام الجهاد في سبيل الله فإنه يفضل كل صور الجهاد إلا صورة؟ فالذي تفضل به العمل الصالح في تلك الأيام على كل عمل صالح - ولو كان جهادًا في سبيل الله في غيرها من الأيام- ما ذكرنا من المعاني والغايات أن حق تلك الأيام أن تستخرج من العبد همةً ونشاطًا بتحقيق الانقطاع. فهو مشتغل بعنوان تلك الأيام بغاية هذا الزمان: الانقطاع ظاهرًا و باطنًا لله، فقدم فيها العمل الذي انقطع به لله عن كل ما سواه عن عمل آخر في غير تلك الأيام - من أعمال قد يشوبها ما ينقص من درجة الانقطاع - إلا صورة عمل واحد، وهي صورة رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.
فإن الحاج وهو أتم أحوال الأعمال في تلك الأيام قد خرج بنفسه وماله فإذا رجع فقد رجع بشيء، فإن رجع المجاهد بشيء مثله لم يفضل عليه بل فضل الحاج عليه لتحقيق غاية الانقطاع في تلك الأيام، فإن رجع الحاج بشيء بنفسه بماله أو بعض ماله فإنه لا يفضل من لم يرجع، كما قال: إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء والله أعلم.