فذلك الزمان الفضيل أيام تحمل بين ساعتها مراتب زائدة من عبودية الشكر، فإن الله تعالى جعل الأزمان لغاية التذكر والشكران، فقال جل ذكره: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان:62) ، فحق تلك الأيام المخصوصة بالفضل أن يقابل العبد ذلك بمخصوص الشكر، فهو شكر من وراء شكر، شكر يستغرق من القلب كل شأنه حتى يستبد به، فالقلب يغمره حال الشكر والامتنان برؤية مزيد فضل المنان، لا يلفته عن شهود مزيد الفضل شيء، بل هو متوجه إلى ربه من كل جهاته مقرا ومعترفا بمنته وفضله، موقظا في النفس همتها لتنبعث تحدث بنعمة الله تعالى، وذلك الشكر المخصوص في مقابل مزيد الفضل لا يسلم من العبد حتى ينتظم من وراء أشكر الخلق - صلى الله عليه وسلم - مقاربًا مقتديًا بحاله المشرف - صلى الله عليه وسلم -. فإنه لما أنعم الله عليه بوافر النعم، وأكرمه بجزيل الكرم، قام لله شاكرًا باطنًا وظاهرًا، قيام شكر باطنه أقام منه ظاهره حتى تورمت بل تفطرت قدماه، ثم نبه على ذلك بقوله عليه السلام: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) (متفق عليه) .
فأفضل الأحوال حال نبينا - صلى الله عليه وسلم - في السر والعلانية، في الظاهر والباطن قيامًا بحق شكر تلك النعمة الجزيلة وهذه المواهب الجليلة التي وهبها الله تعالى إياه - صلى الله عليه وسلم -.
وفي ذلك انتقال لمعنى ثالث، من معاني النظر في فضل تلك الأيام، وهو أن عنوان ذلك الزمان الفاضل الذي آتاك بغير سؤال منك ولا طلب: عنوانه"الانقطاع لله عن كل ما سواه".
فإن لكل زمان فاضل عنوانا.
فعنوان فضل زمان رمضان هو الامتثال بحبس النفس عما تشتهيه مما أبيح لها، فينشأ بذلك انقباض لحظوظ النفس، وانكماش لدائرة الجائز لها فتبتعد عما لا يجوز، فانحسار المباح يكشف عن حرم جديد يكون بينه و بين الحرام، وهذا هو عين المقصود بالتقوى، وهي عنوان زمان رمضان وغاية عبوديته.
أما عنوان ذلك الزمان الشريف الآتي إليك في أيام ذي الحجة: فهو الانقطاع والتبتل والتجرد، بحيث ينقطع لله - سبحانه وتعالى - وينقطع عن كل ما سواه. وحق ذلك أن يكون على ظاهر العبد وباطنه.