الصفحة 89 من 98

الْقَوْمَ) أي: هو أحقهم بالإمامة (أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) أَيْ: أكثرهم قرآنًا وأجودهم قراءة (وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً) ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة فأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يقدم اتفاقًا (فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَ تُهُمْ سَوَاءً) أي: مستوين في مقدارها أو حسنها أو في العلم بها (فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) أي: انتقالًا من مكة إلى المدينة قبل الفتح فمن هاجر أولًا فشرفه أكثر ممن هاجر بعده. قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ؛ لأن القدم في الهجرة شرف يقتضي التقديم أو لأن من تقدم هجرته فلا يخلو غالبًا عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر، وهذا شامل لمن تقدم هجرةً سواء كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم - أو بعده كمن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام. وهكذا نرى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل ملاك أمر الإمامة القراءة، وجعلها مقدمة على سائر الخصال المذكورة معها؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة وكانت ركنًا من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها، ثم تلا القراءة: بالسنَّة - في بعض الروايات - وهي: الفقه ومعرفة أحكام الصلاة وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها وبينه من أمرها , وأن الإمام إذا كان جاهلًا بأحكام الصلاة ربما يعرض فيها من سهو ويقع من زيادة ونقصان أفسدها وأخدجها , فكان العالم بها الفقيه فيها مقدمًا على من لم يجمع علمها ولم يعرف أحكامها، (فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً) معناه: إذا استويا في الفقه والقراءة والهجرة (فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا) أي: إِذَا رجح أحدهما بتقدم إسلامه أو بكبر سنه قُدِّمَ ; لأنها فضيلة يُرَجَّحُ بها، وعند الاستواء في الكل يُقرع (وَلا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ) معناه: أن صاحب المنْزل أولى بالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة (وَلا فِي سُلْطَانِهِ) معناه: أن صاحب السلطان وصاحب المجلس وإمام المسجد أحق من غيره , وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه , وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم , وإن شاء قدم من يريده , وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولًا بالنسبة إلى باقي الحاضرين ; لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء. فإن حضر السلطان أو نائبه قُدِّم على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما ; لأن ولايته وسلطنته عامة. قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه، وإنما كان ذلك كذلك لأن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتآلفهم وتوادهم , فإذا أَمَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة , وكذلك إذا أَمَّهُ في قومه وأهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع , فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة لا سيما في الأعياد والجماعة , ولا على إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن، ويشترط أن يكون صاحب البيت أو السلطان أهلًا للإمامة بغيره، فإن لم يكن أهلًا كالمرأة والأمي ونحوهما فلاحق له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت