وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.
قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر وهم مشفقون؛ ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله عز وجل [1] .
ولهذا الفهم الصحيح والإدراك الصادق، قال يونس بن عبيد عن الحسن: ما رأيت أطول حزنًا من الحسن. وكان يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئًا.
والخوف من الله حصن من المهالك، وحماية دون المنزلقات .. قال الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير [2] .
والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل لم يكن محمودًا [3] .
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الخوف المحمود ما حجز عن محارم الله [4] .
وحين مر طاوس برأس (بائع الرؤوس) قد أخرج رؤوسًا، فغشي عليه وكان إذا رأى الرؤوس المشوية لم يتعش تلك الليلة [5] .
قال: سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عبادة لينتهوا.
والخائفون الوجلون المشفقون هم أهل الصلاح والتقى والورع والزهد ..
فإن من لامس الخوف شغاف قلبه وسرى في عروقه أورثه ذلك عملًا وصلاحًا .. أولئك الخائفون الذين سئل عنهم ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا [6] .
والخوف الحقيقي خوف السر والخلوة حيث لا يراك مخلوق ولا تراءى عيون وآذان هذا أنس بن مالك يقول: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا، وخرجت معه، حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول، وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين .. بخ [7] ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو
(1) الزهد: 420.
(2) الإحياء: 4/ 170.
(3) التخويف من النار: 33.
(4) مدارج السالكين: 1/ 514.
(5) حلية الأولياء: 4/ 4، والبداية والنهاية: 9/ 272.
(6) الإحياء: 4/ 194.
(7) بخ! أي: عظم الأمر وفخم.