فهرس الكتاب
، الثاني:- حديث أبي هريرة رضي الله عنه - في الحديث الطويل - أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحائط، فقال له (( يا أبا هريرة ) )وأعطاني نعليه (( اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ) )فكان أول من لقيت عمر، فقال:- ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت هاتان نعلا رسول الله بعثني بهن من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله بشرته بالجنة قال:- فضرب عمر بين ثديي ضربة، خررت لإستي، وقال:- ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجهشت بكاء، فقال (( ما لك يا أبا هريرة؟ ) )فأخبره بالخبر قال:- فركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (( يا عمر، ما حملك على ما صنعت؟ ) )فقال:- بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال (( نعم ) )قال:- فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( يا أبا هريرة فخلهم ) )فانظر كيف رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي عمر واستصوبه ونهى أبا هريرة عن إبلاغ الناس بهذا العلم لسد ذريعة اتكال الناس عليه وترك العمل، وهذا هو عين العلم، وعين المصلحة، فالعلم ليس فتل عضلات، بل العلم مراعاة المصالح والمفاسد، وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:- حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ... قال البخاري البلعوم:- مجرى الطعام، وهذا من باب مراعاة المصالح والمفاسد, ومن باب تحقيق العمل بسد الذرائع، ولقد ابتلينا في هذه الأزمنة بأناس تقفروا العلم، ولبسوا ثياب العلماء، يصرخون بالعلم صرخا، ويتشدقونه تشدقا ويلوكون به ألسنتهم، ولا يراعون فيه لا مصالح ولا مفاسد، وكم، وكم، جروا على الأمة بأسباب ذلك الويلات، فأفزعوا الدهماء وأيقضوا الفتنة النائمة، وإن قلنا لهم:- ليس من الحكمة أن يسمع العامة هذا العلم، قالوا:- أنتم تريدون قتل العلم وتحاربون البلاغ، وتداهنون الحكام، ولا نزال مع هذا الصنف من الناس في حيص بيص، فيا طلاب العلم، الرفق، الرفق، والقصد، القصد تبلغوا، ووالله إن سكوت بعض أهل العلم على شيء مما يجول في خواطركم ليس مداهنة ولا مجاملة، ولا مصانعة بالباطل، بل هو مراعاة لحال الأمة، ونظرا في المصالح والمفاسد، ودفعا لأكبر الشرين وأعظم الضررين بأدناهما وتحصيلا لأعلى