فهرس الكتاب
المصلحتين وأكبر الخيرين بتفويت أدناهما، فلا بد من إحسان الظن بالعلماء وإياكم والأصاغر من أهل الأهواء المضلة، والبدع المخلة، فإنهم يتربصون بنا وبأمتنا وببلادنا الدوائر فليحرص طالب العلم أن لا يكون مفتاح شر على الأمة، ولا باب فتنة يلج منه أعداء الملة لنواة أهل الإسلام، واعلموا أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإن لم يكن إبلاغ العلم في هذه الحالة الراهنة محققا لهذا الأصل فلا تبلغوه، وأرجئوه إلى حين آخر ويدخل تحت هذا الأصل أن الإنكار على الحكام علنا أمام العامة ممنوع، وإشاعة أخطاء أهل العلم أمام من هب ودب ممنوع، وإنكار المنكر إن أوجب منكرا أعظم ممنوع، وهذا من الفقه في الدين ومن الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا، وقد بلغت من الحمق والطيش في زمن مضى ما أنا نادم عليه الآن، وما رأيت كالرفق في أخذ الأمور ولا كالحلم والتأني في فهم المسائل مخرجا من كثير من المآزق التي تحل بالأمة فينة بعد أخرى، بل والله إن الرفق في فهم المسألة والتأني في معالجة الأمور لهو من الرسوخ في العلم، وأثر من آثاره، وأما النزق والطيش والحدة ورفع الأصوات وتراشق التهم والحكم بعد سماع الكلام بلا تأن ولا ترو ولا تثبت فهذا يفسد ولا يصلح، ويهدم ولا يبني، وبلاؤه أكثر من عافيته، إن كان فيه أصلا عافية، ولا شك أن لكبر السن دوره في الترفق والتعقل، ولا شك أيضا أن التربية على أيدي أهل العلم الراسخين من أعظم ما يوفق له طالب العلم في بداية طلبه، والمقصود أن المتقرر عندنا في القواعد أن إبلاغ العلم مناطه تحصيل أعلى الخيرين والمصلحتين، ودفع أكبر الشرين والضررين، فما كان محققا لهذا فأهلا وسهلا، وما لا، فلا، والسكوت عنه أفضل، والله أعلم.
ومنها:- ما قرره العلماء رحمهم الله تعالى من أن ترك السنة من باب تأليف القلوب أولى من فعلها مع تنافر القلوب، وهذا باب دقيق، فإن من الناس من لا ينظر إلى أثر تطبيقه للسنة، وهذا فيه قصور، والحق أن تطبيق هذه السنة المعينة إن كان يفضي إلى تنافر القلوب وتشاحن النفوس والكلام الذي لا ينبغي، وكراهة الحق، وبغض أهله، فالحكمة تركها في هذه الحال، ليس الترك المطلق، لا، بل مطلق الترك، حتى يتعلمها الناس، ويعرفوا دليلها، وهذا من باب سد الذريعة فإن الشريعة أمرت بالتآلف والتوادد والتراحم وتعليم الناس بالرفق والهوينا، ونهت عن الاختلاف والتنابز وتراشق التهم بغير وجه حق، فإن كان فعل هذه السنة المعينة، في هذه الحال الراهنة يوجب شيئا من المفسدة فلا