فهرس الكتاب
تفعلها الآن، سدا للذريعة، وأضرب لك أمثلة لتفهم ما أريد إثباته الأول:- إن من السنة الجهر بالتأمين ولا شك، ولكن من الحكمة إن كنت داعية في بلاد قد اعتمد فيها المذهب الحنفي، وصليت معهم أن لا تجهر بالتأمين في أول الأمر حتى تعلمهم السنة الثابتة في ذلك، وذلك لأن بعض الحنفية قد يكون عنده تعصب لمذهبه، فلا يتحمل جهرك به فتكون كارثة، إما أن يقوموا من المسجد، أو يتكلموا عليك بكلام لا تحتمله نفسك، فينقلب الأمر من كونه دعوة إلى كونه انتصارا للنفوس، وعلى كل حال فهذا يكدر صفو الدعوة، ولا يحقق لك ما جئت من أجله، ولا يقال لنا:- كفاكم تمييعا للسنة، لأننا سنقول:- إننا لم نقل بتركها مطلقا، بل قلنا بتركها حتى يتعلموها، ثم نقول:- إننا لم نقل بتركها جزافا، بل قلنا بتركها إن كان تركها يحقق مصلحة أعظم منها، كما ذكرت لك مثاله، وقد حصل أني كنت في بعض البلاد وصلينا وراء إمام حنفي، فلما قال"ولا الضالين"قلت أنا وصاحبي (آمين) بصوت مرتفع، ولم يجهر أحد من أهل المسجد، فلما انتهت الصلاة رمانا القوم بأبصارهم، وأخذوا يتكلمون بينهم بكلام لا نفهمه، لأنهم من العجم، وفوجئنا بأهل المسجد يقومون كلهم إلا نفرا يسيرا، فلم نتمكن من دعوتهم، والتي جئنا وقطعنا المسافات الطويلة من أجلها، وهذا ليس من الحكمة، ولكن جهلنا بما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة المهمة هو الذي أوقعنا في هذا الأمر، وماذا علينا لو تركناها في هذا الوقت؟ ولكنه الجهل، والله المستعان، وقد انتبهنا لهذا الأمر فيما بعد، وحصل بالانتباه له خير كثير، الثاني:- لو صليت إمام بقوم من الشافعية، فمن الحكمة وأنت داعية أن تجهر بالبسملة في الفاتحة، لأنهم يرون أنها آية من الفاتحة، حتى يتعلم الناس السنة، الثالث:- من الحكمة الدعوية إن صليت الوتر بأناس يرون الدعاء فيه، أعني دعاء القنوت أن تدعو للقنوت، لا أقول قنوت الفجر الدائم الذي لا أصل له، بل قنوت الوتر، والخلاف فيه معروف، الرابع:- من الحكمة أيها الحبيب إن صليت مع قوم لا يرون حال القيام وضع اليمنى على اليسرى، أن لا تضع، واترك هذه السنة تركا مقيدا إلى أن يتعلم الناس، والأمثلة كثيرة، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بناء البيت على الصورة التي يريدها لمصلحة التأليف، ألا ترى أن ابن مسعود وغيره من الصحابة أتموا خلف عثمان في السفر وقالوا:- الخلاف شر، ألا ترى أن عمر جهر بدعاء الاستفتاح زمنا ليعلم الناس السنة، مع أن السنة الإسرار به، فترك