فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 97

، وكل هذا بسبب التعصب للمذهب المتبع، فضلا عن تراشق التهم، وفساد النوايا، وامتلاء القلوب على بعض، والتدابر والوشاية لولاة الأمور على من يخالفك في المذهب، وقد تقرر في الشريعة أن أي سبب يفضي إلى ذهاب أخوة الإيمان وفساد علائق الدين فإنه ممنوع، فلما كان التعصب يوجب ذلك صار ممنوعا في الشرع، الرابعة:- أن التعصب للمذاهب أوجب تحريف الأدلة وتأويلها على غير دلالتها الصحيحة، ولي أعناقها حتى توافق المذهب، أو ردها وعدم قبولها، وهذا في حد ذاته محرم، والمتقرر أن ما أفضى إلى الحرام فهو حرام، ومفاسد التعصب كثيرة، فلما كان التعصب للمذهب يحمل في طياته هذه المفاسد قلنا بأنه محرم , لا يجوز، سدا للذريعة، وحماية لجناب الدين، وإغلاقا لأبواب تحريش الشيطان بيننا والله أعلم.

ومنها:- أن من السنة الصلاة بين كل أذانين , أي بين الأذان والإقامة، وهذا من باب الاستنان المطلق، لكن لا ينبغي المداومة عليها حتى لا يتخذها الناس من السنن الراتبة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (( بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة ) )رواه الجماعة، فقوله"كراهية أن يتخذها الناس سنة"هذا من باب سد الذرائع، ولذلك فالقاعدة عندنا تقول (ما ليس بسنة راتبة، فالسنة تركه أحيانا) فلا تنبغي المداومة على ما ليس بسنة راتبة، من باب سد ذريعة اتخاذه الناس سنة راتبة، قال الشاطبي (وبالجملة: فكل عمل أصله ثابت شرعًا، إلا أن في إظهار العمل به والمداومة عليه ما يُخاف أن يعتقد أنه سنة؛ فتركه مطلوب في الجملة من باب سد الذرائع) والله أعلم.

ومنها:- وهو دليل على عمل الصحابة لهذه القاعدة امتناع عثمان رضي الله عنه عن قصر الصلاة وهو مسافر بمنى، فيقال له: أليس قصرت مع النبي ? فيقول:- بلى، ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون هكذا فرضت. قال الطرطوشي تعليقًا على ذلك (تأملوا رحمكم الله فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم من يقول: فريضة ... ، ومنهم من يقول سنة ... ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لمّا خاف من سوء العاقبة، وأنْ يعتقد الناس أن الفرض ركعتان) والحق وإن كان هو القصر، لكن نحن نريد بهذا الفرع أن نثبت أن هذه القاعدة من القواعد المعتمدة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت