فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 97

الصريح، وحتى يكون ذلك أحوط لأمر الدين والعرض، وهذا أصل في سد الذرائع، ومثله حديث (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) )ولذلك قرر أهل العلم أن من الورع ترك ما لا بأس به، خشية من الوقوع فيما فيه البأس، وأن من حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، وأن النفس إن استساغت الوقوع في الأمور المشتبهة، فإنه سيسهل عليها الوقوع في المحرم الصريح , وكل هذا مفرع على قاعدة سد الذرائع، والله أعلم.

ومنها:- لقد ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى أن من حكمة تشريع المندوب حماية الفرائض، فإن من كان على المندوب حريصا، فلا جرم أنه سيكون على الفرض أحرص , ولا يطمع الشيطان فيمن حافظ على الأمور المندوبة أن يوقعه في ترك الأمور المفروضة، فصار من حكمة تشريع المندوبات في الشرع سد ذريعة ترك الفرائض، فالأدلة الدالة على تشريع المندوبات دالة على قاعدة سد الذرائع، والله أعلم.

ومنها:- أن الحق أنه لا يجوز للسيد أن ينادي رقيقه بقوله (عبدي) أو (أمتي) بل يقول:- فتاي وفتاتي، وغلامي , وهذا من باب سد ذريعة المشاركة مع الرب جل وعلا في شيء من الربوبية ومن باب التأدب مع الله تعالى عن أبي هريرة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضّئ ربّك, وليقل سيّدي ومولاي ) )وقال (( ولا يقل عبدي وأَمَتي وليقل فتاي وفتاتي وغُلامي ) )فلا يجوز استعمالُه لغيره، وإنْ كان المتكلَّم لا يقصد المعنى وإنّما يقصد مجرّد الملكيّة والرِّق، لكن من باب سدّ الذرائع، وقد قرره الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، فهذا الباب ممنوع تفريعا على قاعدة سد الذرائع، والله أعلم.

ومنها:- المتقرر في القواعد عندنا أن لكل علم رجاله، فلا يجوز للعبد أن يحدث بكل ما سمع, ولا يجوز له تحديث القوم بما لا تبلغه عقولهم، لأن ذلك مما يوجب لهم الفتنة، وفساد الفهم، فلا بد أن يعطى كل قوم من العلم ما تحتمله عقولهم، وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) )وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:- بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنْ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وقال مالك رحمه الله تعالى (اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) وقال ابن مسعود رضي الله عنه:- بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت