بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل في كتابه: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ... الآية} ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على المخالفين، ومبشرًا بالجنة من أطاعه واتبع سبيله وسنته، ومنذرًا بالنار من عصاه وابتدع غير هداه.
أما بعد:
فإني لم أزل متحيرًا فترة من الزمان مما يقوله ويكتبه بعض الناس من الشيوخ والدعاة وغيرهم عبر وسائل الإعلام المختلفة، خاصة بعد حادث الثلاثاء المشهور الذي كشفت فيه كثير من حقائق الدول والأحزاب والشيوخ والدعاة.
وكنت أعجب من تتابع الجميع - إلا من ندر - على تأصيل أصول مخترعة في مسائل من الدين مهمة، كالولاء والبراء، والحكم على المخالفين من المبتدعة، وأحكام أهل الذمة والمعاهدين والمحاربين، وغيرها من المسائل التي أشبعت بحثًا وشرحًا وتأصيلًا وتفريعا في مصنفات الأئمة السابقين، في الفقه والتفسير وشروح الحديث وكتب السير والتاريخ، مما لا حاجة معه إلى مزيد بحث ولا تأصيل ولا تنظير، سوى التفقه فيما سطره أولئك الأئمة الأعلام والحكم على الوقائع المعاصرة بما يقتضيه الدليل ويوافق ذلك التأصيل.
غير أن هؤلاء الشرذمة المعاصرة ضربوا بتراث السابقين عرض الحائط وأعرضوا عن ما سطر هنالك، ولم يرفعوا رأسًا بنص ولا أثر، ولم يعولوا على أصل ولا فرع معتبر.
وصرت تسمع الكلام الإنشائي يلقى على عواهنه، ليس فيه نقل واحد عن كتب الأسلاف، ولو وجد فلا يسلم من تحريف في اللفظ أو المعنى، أو كلاهما معًا، واستبدلت الألفاظ الشرعية الواضحة المعنى بأخرى ركيكة حمالة أوجهًا، يمكن تصريفها على أي معنى يوافق الهوى.
وأما النصوص الشرعية من الكتاب والسنة فيختار منها المتكلم ما يوافق الهوى ويلائم"فقه المرحلة"، وما كان منها صريحًا في مخالفة الهوى ومعارضة الفتوى حرف معناه وتفسيره، ابتغاء الفتنة والتلبيس على العامة.
قال الله عز وجل في أمثال هؤلاء: {يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم ... الآية} ، وقال: {اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون} ، وقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ... الآية} ، وقال: {الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} .
والآيات في وصف أمثال هؤلاء أكثر من أن تحصر، ومن أعياه البحث فعليه بسورة براءة فإنها كفت وشفت وفضحت.