ومما يدعو إليه هؤلاء"المدهنون"المعاصرون، ما يسمى بـ"الحوار الوطني"و"الوحدة الوطنية"، وهي بعينها دعوة إخوانهم من دعاة التغريب كما سبق نقله، يريدون إلغاء الفوارق العقدية التي جاء بها الشرع، ونص عليها الأئمة في مصنفات"الفرق"و"السنة"، فلا قدرية ولا شيعة ولا جهمية ولا صوفية ... الكل إخوان في"الوطنية"أبناء علات، أبوهم"الوطن"وأمهاتهم الملل والنحل.
وكما التقت دعوة"الوطنيين"مع دعوة التغريب والتقريب فقد شابهت كذلك دعوة"القوميين"التي ذاع صيتها أواخر القرن الماضي.
جاء في الموسوعة الميسرة في التعريف بالقومية العربية [ص 401] ما نصه: (حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين. وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوربا) اهـ.
وذكرت الموسوعة من أفكار ومعتقدات الفكر القومي أنه: (يعلي من شأن رابطة القربى والدم على حساب رابطة الدين) ، ونقلت كلامًا للشيخ ابن باز رحمه الله يصف القومية العربية بأنها؛ (دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه) ، وأنها؛ (دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله) .
وذكرت الموسوعة كذلك بأن الفكر القومي: (يتبنى شعار؛"الدين لله والوطن للجميع"، والهدف من هذا الشعار إقصاء الإسلام عن أن يكون له أي وجود فعلي من ناحية، وجعل أخوة الوطن مقدمة على أخوة الدين من ناحية أخرى) اهـ [ص 402 - 403] .
وجاء في الموسوعة في تعريف الحزب القومي السوري [ص 409] بأنه؛ (حزب يدعو إلى القومية السورية واعتبارها مستقلة عن القومية العربية) .
وذكرت من أفكارها [ص 410] :
( ... 1) فصل الدين عن الدولة.
2)منع رجال الدين من التدخل في الشئون السياسية والقضائية والقومية.
3)إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب.
4)يتميز السوريون عن أبناء الأمة العربية كما يتميز الفرنسيون عن الانجليز ...
5)القضية السورية هي الأمة السورية والوطن السوري.
6)مصلحة سوريا فوق كل مصلحة ... إلى آخر ما ذكرته الموسوعة).
والحاصل أن كل هذه الدعوات"الوطنية"و"التقريبية"التي ينادي بها مفكروا اليوم من شيوخ"الفضائيات"وفقهاء"القنوات"ودعاة"الصحوة"أو قل"الغفوة"أو"الغفلة"، هي عين ما دعا إليه أسلافهم من دعاة"التغريب"و"القومية"، وإن اختلفت بعض أصولهم وأفكارهم، إلا أن المؤدى واحد والنتيجة واحدة، وهي إلغاء التميز الديني والعقدي والاكتفاء بمجرد"الحوار"الذي لا يعني، في أحسن أحواله، سوى الاجتماع في القصور الفارهة وتبادل الأحاديث الودية والطرائف المسلية دون المساس بأي قضية تجرح مشاعر الطرف الآخر، ثم ينصرف كل إلى سبيله ويمضي إلى شئونه.
وسيكون لنا بحث طويل حول مسألة"الحوار"في موضع آخر إن مد الله في الأجل وسلَّم من أي عوائق.
وكما قيل في الدعوى السابقة - في المسواة بين المؤمنين والكافرين - يقال في دعوى المساواة بين المؤمنين وبين سائر المخالفين المنتسبين للإسلام من أهل الأهواء المارقين، فهي تضاد شرع الله وعدله وقضاءه، فقد فاضل الله بين المؤمنين المتبعين، بل فاضل بين الأنبياء والمرسلين، فكيف يسوي بين المتبعين والمخالفين؟!
وفي كتاب الله نصوص كثيرة في التمسك بالسنة ونبذ الفرقة والبدعة في الدين، من ذلك مثلًا قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء} ، وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة.
وموقف السلف من عصر الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا واضح وصريح في البراءة من أهل الأهواء من الفرق المخالفة، ومعاداتهم وهجرهم والتحذير من مجالستهم ومخالطتهم.
فقد تبرأ ابن عمر من القدرية، كما في صحيح مسلم، والقصة مشهورة.
ولما تكلم واصل بن عطاء في مجلس الحسن البصري في مسألة الإيمان بما يخالف مذهب أئمة الإسلام، قال الحسن البصري: (اعتزلنا يا واصل) .
وقد كفر أئمة السلف الجهمية وغلاة القدرية والباطنية وغيرهم من الفرق الغالية.
بل شنع الأئمة على بعض أهل السنة لمجالستهم أهل البدعة، وعدوا ذلك من النفاق، حتى قال الإمام أحمد عن شخص يجالس مبتدعًا: (ألحقه به) [انظر مسائل أبي داود] .
ومن أقوال السلف المشهورة (من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته) [انظر السنة للالكائي، والإبانة لابن بطة] ... ومن أراد المزيد من هذه الوقائع فعليه بكتب"السنة"و"الفرق".
فكيف يتبجح الناس اليوم بمثل هذه الدعاوى السخيفة، يريدون أن يبدلوا كلام الله وشرعه وقدره؟
وربما تذرع"الوطنيون"بما تذرع به قبلهم"القوميون"بأن"الأمة"أو"البلاد"تواجه أخطارًا خارجية من أعدائها، وهي بحاجة ماسة إلى"توحيد الصف"ونبذ التفرق والاختلاف، وأن الكلام في تكفير الكفار وتبديع المبتدعة وتفسيق الفساق يفرق الأمة الواحدة والوطن الواحد.
والجواب على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن يقال؛ إن الحكم على المخالف بالكفر أو البدعة أو الفسق، بحسب ما يستحق، هو مما أمر الله به وحكم به في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمعت عليه الأمة، وهو من المعلوم من الدين والعقل بالضرورة. وإنما المحرم شرعًا الحكم على الناس بالظلم والجور، كأن يكفر أو يفسق من لا يستحق التكفير أو التفسيق.
الوجه الثاني: ما هي الأخطار الخارجية؟ ومن هم أعداء الأمة الخارجيون؟ هل هم رؤساء وشعوب الدول الغربية أو الشرقية؟ وهل هم أعداء الأمة والبلاد في نظر من بيده عقدة الأمر؟ أولسنا نسمع ليل نهار بأنهم - وعلى رأسهم أمريكا المتغطرسة - أصدقاء بل"ومنذ الأزل"وأنهم سيبقون كذلك إلى"الأبد"؟! هل سمعنا تصريحًا واحدًا من هؤلاء يقول بأن دول الغرب أعداء لنا، أو يصفهم بما يستحقونه من الكفر والفسق والعدوان؟
مع أن الحق والعدل والدين وواقع الحال يقول: نعم هم أعداؤنا بل وألد أعدائنا بل هم أعداء البشرية كلها، من أول يوم ولدت فيه تلك الدولة الفاجرة الكافرة - أمريكا - وليست بأول دولة عاتية من دول الكفر، فقد سبقها إلى الكفر والظلم والجبروت دول وأمم منذ قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وغيرها ممن قص الله علينا قصصها.
وليس الشأن في جبروت هذه الدولة الكافرة التي تزعم الحرية وتتظاهر بالديمقراطية، وإنما الشأن في من يواليها ويخضع لها ويسير في ركابها ويبتغي العزة عندها ويظن بأنها تغني عنه من الله شيئًا، {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا} ، {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} . أولم يسمعوا قول الحق: {يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا أمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} ؟
وصدق الله عز وجل، فهاهم أولاء يعلنون بالعداوة ولا يسرون، ويصرحون بالبغضاء ولا يلمحون، ويتوعدون كل من يعارض سياستهم، بل من يرفض المسارعة فيهم ويتوانى عن إجابة أوامرهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
ضربت نيويورك وواشنطن؛ فأرعدت أمريكا وأزبدت وهددت وتوعدت بأن من لا يقف معها - أي خلفها و تحت إمرتها - فهو ضدها.
وسارعت كل دول العالم، وفي مقدمتهم الدول العربية، في موالاتها، وصاحت لصياحها وناحت لنواحها وأعلنت الحداد لمصابها، كأنه مصابها، وما ثمة عاقل في الأمة يقول: ما لنا ولها؟ ما شأننا وما حل بها؟
بل استنفرت بعض الدول العربية والإسلامية كل طاقتها لتتبع سراب الفاعلين، وأجلبت بخيلها ورجلها وجندت إعلامها ومنابرها ومنائرها لإرضاء"العم سام"وربيبته المدللة، وتسابقت إلى نيل رضاه، رغبًا ورهبًا، ولكنه لم يزل عليها ساخطًا يطلب المزيد من القرابين، شأن الجبابرة الطغاة في كل زمان وحين.
الوجه الثالث: إن أعداء الأمة الإسلامية هم أعداء دينها وعقيدتها من الكفار والمبتدعة الضلال، سواء كانوا من الداخل أو الخارج، وقد بدأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقتال المرتدين قبل غيرهم، وقاتل علي بن أبي طالب الخوارج والبغاة نصرة لدين الله لا حبًا في الدنيا وحرصًا على الرئاسة.
الوجه الرابع: أن الأمة الإسلامية لم تزل تواجه أخطارًا ومحنًا على مر العصور من أول يوم، فتارة من قبل اليهود والنصارى والمجوس وتارة من قبل الخوارج والرافضة والباطنية كالدولة العبيدية، وتارة من قبل الملاحدة كالتتار ... وهكذا.
ولم تقتصر تلك المحن على الناحية العسكرية، بل شملت جميع النواحي السياسية والدينية والاجتماعية ... ومع ذلك فإن موقف علماء الأمة لم يتبدل ولم يتغير، وهذه كتب السير والتاريخ والتراجم شاهدة على ذلك.
ومما يدعو إلى التأمل والنظر ذلك الاتفاق في المبدأ والاتحاد في الكلمة والموقف من علماء السلف تجاه غيرهم من أهل الكفر والنفاق والبدعة والفسق، مع تباين الزمان واختلاف المكان ... خذ أي كتاب شئت من كتب الأئمة، في أي فن كان، ترى وحدة الكلمة والموقف والصف ظاهرًا واضحًا للعيان.
اقرأ مثلًا في التفسير، عند الكلام عن أي آية في البراءة من الكفار ومعاداتهم وقتالهم، تجد تفسير الأئمة المتأخرين مطابقًا لتفسير الصحابة والتابعين في المعنى، بل أحيانًا في اللفظ أيضًا، ومن استقرأ كتب"السنة"و"الفرق"مما صنف في أوائل القرن الثالث، وما صنف بعد ذلك بقرون يجد توافقًا عجيبًا، وربما زاد المتأخرون في شرح العبارة وتوضيحها أكثر، أما الأصول فهي ثابتة لم تتغير.
خذ كتاب"السنة"للإمام اللالكائي [المتوفى سنة 418 هـ] وتأمل ما ساقه من أقوال علماء الأمة من عصر الصحابة إلى عصره من مختلف البلدان الإسلامية - من خراسان ونيسابور والشام والعراق ومصر والحجاز وغيرها - فالبرغم من اختلاف الزمان والمكان والأحوال، إلا أن وحدة الصف والموقف واتفاق الكلمة في التمسك بعقيدة السلف وموالاتهم، وتبديع من سواهم ومعاداتهم من كل الفرق المخالفة ونحلها كانت علامة ظاهرة وآية باهرة تعدت حدود الزمان والمكان.
واقرأ كلام شيوخ الإسلام بعد ذلك كابن قدامة وابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن كثير وأضرابهم في الفرق والمذاهب والملل، تجده يخرج وكلام الأولين من مشكاة واحدة.
هذه هي"الوحدة"الحقيقية، وحدة الدين والملة والمذهب والمشرب، لا تلك المزيفة التي ينادي بها أهل هذا الزمان من"الوطنيين"أو"الحِواريين".
لم يقل أحد منهم نريد أن نجمع الصف نحن وإخواننا الشيعة - مثلًا - في مواجهة عدونا الخارجي، بل لم يزل كلام العلماء في تبديع هذه الفرقة والتحذير منها، منذ نشأتها إلى يومنا هذا، واتفقت كلمتهم على ذلك حتى مع السلفيين من الجن!
ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددًا} عن الأعمش قال: (تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا. فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا) اهـ.
قلت: اقرءوا - معشر المسلمين - ما كتبه علماؤنا عن هذه الفرقة الضالة، ومن آخر من كتب من المشهورين شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ومحب الدين الخطيب رحمهما الله، لتقفوا على حقيقة الخلاف بيننا وبينهم، مما يستحيل معه أن نجتمع وإياهم في صف، أو يوحدنا هدف.
أما علمتم أن من عقائد الإمامية أن قرآننا محرف، وأن عندهم مصحف فاطمة ليس فيه من مصحفنا حرف؟
وزعموا أن الأمة كلها خانت العهد وضيعت الأمانة وخالفت أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فبايعوا أبا بكر بدلًا من الوصي علي، رضي الله عنهما.
وأن الصحابة كلهم مرتدون كفرة إلا أربعة وأن عائشة الصديقة لم تكن مبرأة مما قذفها به سلفهم المنافق الأكبر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ولهم عقائد فاسدة في باب القدر والأسماء والصفات، ويكثر في أوساطهم الشرك الأكبر، فهم كما قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: (يعمرون المشاهد ويعطلون المساجد) ، عدا مسائل أخرى قذرة يطول الكلام بشرحها.