الصفحة 44 من 52

وإنما أهاجت كثرة المني، وشدة الشبق، فينبغي أن يخرج في الحال كما تخرج الفضلة الرديئة من الاستفراغات المسهلات؛ لأنّ في حبسه عند ذلك ضرر عظيم، وليس للجماع وقت مًعيّن، أو مُقدّر إلاّ في الحال، ولو كان في السنة مرة واحدة خصوصا لصاحب المزاج الصفراوي والسوداوي؛ لأنّ / الجماع يضرهما ضررا عظيما 21 أ لقلة الرطوبة فيهما، فأمَّا الدموي والبلغمي، إنْ كان فيهما قدرة وقوة على استعداد النكاح، وكثرة الجماع، فالأصلح لهما في الأسبوع مرتين أو ثلاثة، ولا يجامع مرتين في يوم وليلة، ففيه ضرر عظيم، خصوصا كثرة النكاح؛ لأن المني من خالص الغذاء الذي هو مادة الروح، فإذا عاود الإنسان الجماع كثيرا استفرغ المني أولا، ثم يأخذ من دم الغذاء، ومن الرطوبة الأصلية، فيكون ذلك سبب الهلاك والفساد.

ولا يجامع عقب التعب ولهمّ والغم، وعقب الدواء، والإفراط في الجماع يورث الرعشة والفالج، ويُضعف القوة والبصر، والمكثر منه لا يخفى؛ لهرمه سريعا، وقلة قوّته، وظهور الشيب قبل وقته، ولا يجامع في الماء، وحكماء الهند يكرهونه، ويحكمون عليه بعدم اللذة، ولذلك لم يصنعوا له صورة في كتبهم، وبعضهم يقول: لا يأمن دخول الماء في أحد الفرجين، فيورث ضررا عظيما، وأخسّ الجماع ما يعقبه رعدة، وضيق نفس، وموت أعضاء، وغثيان، وبُغض الشخص المنكوج، وإنْ كان محبوبا.

وأمَّا رحم المرأة فإنّ حلقتها من المرأة كالكيس، وهي عضلة وعصب وعروق، ورأس عصبها في الدماغ، ولها فم بجوار قُبُلها، ولها قرنان شبه الجناحين، تُجذَب بينهما النطفة لقبولها، فإنّ الله تعالى أودع فيها قوّتين، قوة انبساط، بها الجماع، وورود مني الرجل عليها فتأخذ منيه، يختلط مع منيها، وقوة انقباض، يقبضها بها لئلا ينزل منه شيء، فإنّ المني ثقيل بطبعه، وفم الرحم منكوس.

وأودع في مني الرجل قوة الفعل، وفي مني المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالإنفحة الممتزجة باللبن، وأمَّا كيفية وقوع النطفة في الرحم، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله تعالى أنْ يخلق منها بشرا، صارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة، ثم تمكّنت أربعين ليلة، ثم تنزل دما في الرحم، وفي الحديث: إنّ المَلَك المُوكّل بالأرحام يأخذ النطفة من الرحم؛ فيضعها على كفّه، ثم يقول: مُخلّقة أم غير محلّقة؟ فإن قال غير مُخلّقة، لم يكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإنْ قال مُخلّقة، قال: يا رب! أذكرٌ أم أُنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ ما الأجل وما الأثر؟ فيقال: انظر في أمِّ الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ، فيجد فيه رزقه، وأجله، وأثره، وعمله، ثم يأخذ التراب الذي يُدفن فيه، أي بقعته، فيعجن به نطفته، فالأثر هو التراب، قوله تعالى: [مِنْهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت